الجمعة، 11 نوفمبر 2011

في الأردن أيضاً، "سود وبيض معاً"

لا يخفى على أحد مشاهد التمييز العنصري الذي يمارس جزء كبير منه حتى اليوم في "أم الديمقراطيات"، الولايات المتحدة الأمريكية، مشاهد لا إنسانية كثيرة قادت عملياً إلى إندلاع ثورة الزنوج عام 1963.
في سياق مواجهة السلطة لهذه الثورة ولمقدماتها سابقاً، كالعادة، كانت هناك العصا والجزرة، وعود بتعديلات قانونية كثيرة "توفير فرص عمل، السماح للزنوج بدخول حوانيت البيض، السماح للطلبة الزنوج الدراسة في "مدارس البيض""، وفي الجانب الآخر إعتقالات جماعية إمتلأت بعدها السجون، الضرب والإهانة، إحاطة الشباب الزنجي بسياج كهربائي لمنعه مغادرة منطقة ما، والإنتهاء بغرفة الغاز التي إستخدمتها السلطة الأميركية لدراسة نفسية الزنوج بالإعتماد على ردات فعلهم الأخيرة قبل مفارقة الحياة.نادى الزنجي المعتقل "جو لويس، جو لويس"، لقد كان جو أحد أبطال الملاكمة الزنوج، وكان ذاك المعتقل يحلم بأن يأتيه جو من بعيد ليحطم أبواب غرفة الغاز، وينقذ حياته.
مع كل ذلك، كان إحدى أهم شعارات مارتن لوثر كينج في المواجهة: "سود وبيض معاً، إنها ثورة سكان الجنوب"، لقد ساعد عدد كبير من البيض في دفع كفالات المعتقلين الزنوج، فقد كانت إحدى تكتيكات مارتن لوثر القيام بأعمال وتحركات سلمية من المؤكد أنها ستودي بالشباب إلى السجن، وبعد ذلك العمل على جمع التبرعات لدفع كفالات الخروج.
ليس المطلوب هنا هو قراءة تفاصيل تلك الحقبة بمنحى معلوماتي بحت، بل الأهم هو الخروج بإستنتاجات أساسية ذات صلة بواقع الثورات العربية وذات صلة بالحراك الشعبي في الأردن كذلك.
ففي بلد _الولايات المتحدة الأمريكية_ التمييز العنصري فيه حقيقة وليس وهماً، نعم كان هناك تمييز واضح ضد الزنوج والنظر إليهم على أنهم عبيد، وحتى الآن تعلن بعض الدراسات ما نسبته واحد إلى ثلاثة من الزنوج تحت الحكم الجنائي! في هذا البلد لم يتوانى المضطهدين من رفع شعار "سود وبيض معاً"، والآن في الأردن ترتفع أصوات عديدة لحل إشكاليات الهويات الفرعية التي أوجدها الإستعمار أساساً من خلال بروتوكولات دستورية وقانونية معينة.

في الأردن _تقسيم لا يشبه "الأبيض والأسود"_ إلى كتلة فلسطينية وكتلة شرق أردنية، ويستند هذا التقسيم إلى مجموعة من الملاحظات التاريخية "في الوعي الجمعي"، أهمها:
·كتلة "فلسطينية" تحاول السيطرة على النظام مقابل كتلة "أردنية" معيقة ومقاومة تريد الخفاظ على وجودها، ظهرت هذه المعادلة خلال وإبان حرب أيلول، فقد كان الواقع يحمل نقيضها تماماً، الجميع في مواجهة إسرائيل، إسرائيل خطر واحد وليس خطراً مشتركاً، وكان المستفيد الأول من هذا كله والمحرك له هو السلطة السياسية.
·كتلة "أردنية" تسيطر على وظائف القطاع العام وأجهزة الأمن والجيش، وتنحية لأبناء الكتلة "الفلسطينية".
· كتلة "فلسطينية" تتوسع في القطاع الخاص ومع إنهيار القطاع العام يصبح الملاذ الوحيد لأبناء الكتلة "الأردنية".
· كتلة "فلسطينية" معزولة عن الحراك السيلسي الأردني خاصة فيما يتعلق برفع الأسعار وما شابه.
إذن نحن اليوم أمام مشكلة إجتماعية معيقة للصراع الطبقي الإجتماعي هذا هو شكلها، ومحيطها مجموعة من المشاريع السياسية كالتالي:
·مشروع يخرج من رحم المأساة ويعمل على تجييش كتلة "شرق أردنية"للوصول إلى تمثيل سياسي أقوى، وعودة للقطاع العام، ومحاربة رموز الفساد الفلسطينية دون غيرها.في هذا المشروع عمل على إعادة توزيع حصص الفساد وليس محاربته.
· مشروع يتمثل في الحركة الإسلامية يحاول الإستفادة من عزلة الكتلة الفلسطينية عن الحراك الشعبي، وتحاول الحركة في هذا السياق إستخدام هذا الخزان البشري كوسيلة ضغط عند اللزوم، وورقة إضافية تحسن من شروطها التفاوضية في الوقت اللازم.
·مشروع يتحدث عن حوار أخوي واقعي بين الكتلتين لإغلاق هذا الملف وإستكمال مشروع بناء الدولة لاحقاً "دسترة فك الإرتباط مثلاً". وفي هذا الحل شكل مثالي، فإتخاذ خطوات دستورية وقانونية غير قادر أبداً على إزالة الشعور المتمثل في الملاحظات الأولى المذكورة أعلاه، إنه حل ليس من طبيعة المسبب للمشكلة، لذلك سيعمل ذلك على خلق دوائر إضافية من الجدل والتوتر التي ستعقد المشكلة أكثر وأكثر.
إن مرحلة العمل الأساسية في الأردن اليوم هو توتير المطالبات الإجتماعية للطبقتين الوسطى والفقيرة في الشقين العام والخاص و"للونين" معاً كالتالي:
·الخاص هو الخروج من واقع المهن والحرف والنشاطات التجارية التي يمارسها العاملين في القرية والمخيم على حد سواء.
·العام هو ما يتعلق بالسياسية المالية والحمائية للدولة، تغيير النهج الضريبي، إعادة الدعم المالي للسلع الأساسية،......إلخ
دور المثقف التاريخي هو التأثير في المزاج العام وليس الهرولة خلف مشاكله من باب قراءة الواقع، فالواقع الموصوف في بداية هذا المقال، هو واقع الزنوج في أميركا، فكيف تجرأ ذلك الرجل إذن ليقول "سود وبيض معاً".
 في الأردن لا يوجد سود وبيض، يوجد إنقسام أسهل من ذلك بكثير، ينتظر خطاباً جامعاً حقيقياً ليس بحاجة أبداً إلى لوثر أردني!!


الأحد، 30 أكتوبر 2011

من أجل ثورة حقيقية

في سياق الثورات العربية تصنفت النخب والجموع الشعبية إلى عدد من التيارات بات من الضروري الحديث عنها بوضوح، فالحاجة اليوم ماسة للفرز أكثر مما هي للوحدة، "الوحدة المثالية" بين صنوف المعارضة في سبيل تحقيق "الهدف الموحد"!
ينقسم الشارع والنخب إلى ثلاثة تيارات أساسية:
·       التيار المحافظ .
·       التيار العدمي .
·       التيار الراديكالي المتيقظ .
يتشكل تيار المحافظين من الإسلاميين والليبراليين والنظام القائم على حد سواء، فمعنى أن تكون محافظاً هو أن تكون راغباً في وعاملاً على الحفاظ على "النظام"الحالي"، ومعنى النظام الحالي هو مجموعة السياسات والقوانين التي يسير بها المجتمع سياسياً وإجتماعياً والأهم إقتصادياً، فالإسلاميون ينخرون صفوف المعارضة ويعملون على تصدرها للإستيلاء على النظام والإبقاء عليه، بمعنى آخر لإسقاط مسمياته وإستبدالها بمسمياتهم، فبر نامج الحركات الإسلامية معروف للجميع، يتصدره الجانب الإجتماعي المتعلق بنصوص الشريعة،وفي الجانب الإقتصادي المعاش ، لا يتضمن برنامج هذه الحركات أي تغيير للواقع الحالي ولا يقدم حلول واقعية لمشاكل الفقر والبطالة والطرفية في الإنتاج، وبالتالي هي وجه آخر لذات النظام.
ويشكل الليبراليون مكوناً آخر لهذا الصنف، وهم مكونون بالأغلب من الفئات المستفيدة طبقياً من بقاء النظام، وتجنح إجتماعياً لنمط غير متدين، وبالتالي هي أميل للحفاظ على النظام شكلاً ومضموناً، والحفاظ حتى على المسميات الراهنة.
يتقاطع الإسلاميون والليبراليون في الرغبة في الحفاظ على النظام جوهرياً، وكلاهما يتبنى في عمله طريقة سليمة لخدمة مبدأً غير سليم.
التيار الثاني هو التيار العدمي، وهو التيار الذي يتوقف عند حدود "الشعب يريد إسقاط النظام"ولا يخوض أبداً في التفاصيل، ويتكون من مجموعة من المتثاقفين والمندفعين العميان ،و يروج هذا التيار نفسه على أنه الأكثر راديكالية، ولكنه عملياً غارق في العدمية، ينظر إلى تدخل الناتو على أنه مسألة ثانوية، وينظر إلى سياسات الأنظمة على أنها التي جلبت التدخل الخارجي وليس أي شيء آخر "الطموحات التوسعية وتأبيد التبعية على سبيل المثال"، يتقاطع هذا التيار شكلياً مع كل التيارات التي تعمل على إسقاط النظام شكلاً أو مضموناً أو كلاهما ، وشكلياً هنا دلالة على هامشية دور هذا التيار، ومن هنا تأتي عدميته أساساً، فهو لا يحمل مشروع خاص به لأنه يخشى التفاصيل، ولأنه يخشى كذلك الحلول الصعبة، المرهقة ذهنياَ، وبالتالي يتبنى خيار المزاج العام ويعرض عن تغييره أو تصحيحه.يتبنى هذا التيار طريقة غير سليمة لخدمة نوايا طيبة وغير واضحة المعالم تماماً، وليس لديه أي تحفظات على بدائل السلطات القائمة من باب الإستعدادية لجولات صراع جديدة.
التيار الثالث والأهم والذي ربما لم يولد بعد بالشكل الكامل، هو التيار الراديكالي المتيقظ، الذي يبحث عن إسقاط النظام شكلاً ومضموناً إنطلاقاً من المحددات التالية:
·       الهدف الأساسي للرأسمالية العالمية هو تأبيد التبعية المالية والإنتاجية على حد سواء، ولا ينسحب ذلك بالمناسبة على التبعية الثقافية الإجتماعية، ولذلك نرى أن لا مانع لدى الإدارة الأمريكية أن تستلم السلطةالسياسية تيارات دينية ولكنها في ذات الوقت غير معيقة لشكل التبعية الأساسي "المالي والإنتاجي".
·       وبالتالي، ينطلق مفهوم إسقاط النظام من نقطة تغيير هذه الصيغة، من نقطة بناء نظام يعمل على "وقف التدفق"، تدفق المنتجات والسلع من المركز إلى الأطراف، يبني المنطقة العربية إنتاجياً من جهة أولى، ويفك ديونها المالية من جهة ثانية، ويساهم في تأزيم التجمعات الإمبريالية من جهة ثالثة. ، ضمن هذه الصيغة، الإسلاميون والليبراليون محافظون، والعدميون غير محددين وتائهين..
·       إن ما يحصل في الدول العربية من إنتفاضات شعبية، لهو فرصة للتيار الراديكالي المتيقظ أن يحول الإنتفاضات إلى ثورات، لأنه الوحيد القادر على حفر هذه الصيغة في العقل الإستراتيجي وإجتراح التكتيكات المناسبة التي ستؤدي تراكماتها في نهاية المطاف إلى هذه الصيغة.
إن تسويف تطبيق الحلول النهائية والدفاع عنها وترويجها هو بمثابة الحرمان منها، الشعب اليوم بحاجة إلى إسقاط "النظام"....

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

إما الإشتراكية وإما الهمجية

الإشتراكية أو الهمجية، جملة كانت روزا لوكسمبرغ أشهر من تبناها، جملة تنفي خيار المنطقة الرمادية، وتنفي كذلك خيار تشذيب خيار الرأسمالية لتصبح أقل وحشية وأكثر مواءمةً للحياة والطبيعة والبشرية.
بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية ،التي مثلت التجربة العملية الحديثة الأولى، إنفرد قطب واحد في صياغة شكل العالم الجديد، وهذه الصياغة لم تقف عند حدود صياغة النظام الإقتصادي العالمي، بل توسعت كذلك لتشمل صياغة "النظام الثقافي العالمي"، أي صياغة المفاهيم لتتحول في مكان ما إلى مسلمات، يعيشها الناس وكأنها خياراً أوحداً بلا رديف أو نقيض.
لقد زرعت الرأسمالية مجموعة من المفاهيم في أذهان البشر، وحاولت تجذيرها في الوعي وكأنها مطلق، إحدى هذه المفاهيم هي تطوير القدرات البشرية.
الفقر أصل الإبداع !!
هناك شروط قبلية لتطوير القدرات البشرية ، تطوير المهارات القادرة على حمل مجتمع بأكمله، هذه الشروط تتمثل في: غذاء كاف، عناية صحية جيدة، تعليم جيد، القدرة على الإختيار، إختيار المكان المناسب للعمل وللإبداع، إختيار غير محكوم إلا للميول والرغبة، وليس لسياسات العرض والطلب.
تروج الرأسمالية إلى أن توتير الحاجة، وحتى الحاجة الأساسية هي الأساس في تطوير المهارات والقدرات الذاتية، البحث عن مزيد من المال هو المحث الأساسي للإبداع، وهنا يكمن الوهم. كيف لنا أن نطور من قدراتنا ونحن جائعون، مرضى، مأسورون لخيارات العرض والطلب لنقتل الميول والرغبة فينا لحساب أكثر المهن إدراراً للمال؟
لقد دفعت الرأسمالية بهذه الفكرة إلى أقصاها، إلى الحد الذي جذرت معه في الوعي الجمعي أن العمل ليلاً نهاراً بطولة، وسوى ذلك كسلاً وخمولاً، فتصبح نيويورك عاصمة العمل والنشاط والتطوير الدائم للقدرات، وسواها تصبح عواصم الكسل والخمول.
لم يكن الفقر والحاجة للمال يوماً أساساً للإبداع، قد تكون الحاجة أم الإختراع، ولكنها ليست الحاجة إلى المال، وليست أبداً الحاجة إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة، وقائمة أسماء العلماء والفلاسفة في التاريخ تقدم دليلاً واضحاً على ذلك.
غياب التطور الحر
لطالما تغنت الرأسمالية بحفاظها على الحق الفردي، ومنح الحرية للأفراد دون التقيد بأي شكل من أشكال المشروع الجماعي، ولكنها في الواقع تعبر عن أقصى أشكال التقييد والإهانة للحرية الفردية ذاتها.
إن التطوير المطلوب للمهارات هو ذلك المتسق وسياسات العرض والطلب من جهة، والمتناغم مع مطالب رأس المال من جهة أخرى. المهارات المطلوبة هي المهارات التي تعود على "المؤسسة" بالنفع، ليس العامل من يحدد شكل النفع ولا شكل المهارة المطلوبة له، رأس المال من يفعل ذلك، ورأس المال هو من يجعل من البشر والطبيعة والوجود وسائل لهدف واحد: الربح!
إن شكل العلاقة الإنتاجية في المجتمع الرأسمالي تنحي أي فرصة في التطوير الحر للقدرات البشرية، فهناك رأس المال الباحث عن تخفيض الأجور، وزيادةساعات العمل، وتكثيف يوم العمل، وفرض أنظمة الرقابة للأداء،ورفع مستوى العمل غير المدفوع إلى أقصاه وفي الجانب الآخر، هناك العامل، المستعد لبيع قدرته على العمل، وهذا الطرف يبحث عن النقيض تماماً، تقليص ساعات العمل الإجباري، رفع الأجور، حرية البحث بما يتناسق مع الميول والرغبة "هوس المعرفة". وفي خضم هذا الصراع تضيع المتعة في العمل وتضيع الحرية في التطوير والبحث.
حرمان الخبرات الجديدة
"إن الوقت هو غرفة تطوير البشرية"، وهذا التطوير ليس أحادي البعد، هو التطوير القادر على خلق إنسان متعدد الأبعاد، يمتلك ذائقة منوعة للظواهر المختلفة التي تحيط به.
لقد تمكنت الرأسمالية ومن خلال عدة مفاهيم إلى خلق "آلات بشرية"، فمع إستلاب الوقت المتواصل لصالح العمل، بات العديد من الناس عاجز عن عمل أي شيء آخر، وهنا تكمن خطورة هذا النظام: إستلاب الذائقة !
وفي إتجاه آخر نشرت الرأسمالية مفهوم "مسار المهنة"CareerPath"، وهو الطريق المحتوم لأي عامل وبناءً على إختصاصه فقط، إنه تراكم العمل المكرر متشكلاً على هيئة خبرة، والإنتقال عن هذا المسار إلى مسار آخر في محطة ما، له ثمن باهظ، لا لشيء سوى أن عدد الآلات البشرية المدرة للأرباح نقص واحداً.
المشكلة ليست في الإستغلال، ولو كانت هذه هي المشكلة لأمكن حلها من خلال ترجيح كفة العمال على المالكين "تشريعات عمل، تقليل ساعات العمل، وبالتالي فرص عمل إضافية". ولكن رأس المال لا ينام أبداً، رأس المال لا يقبل إلا بعقد إجتماعي على مقاس الأرباح، وجهة النظر الراديكالية حيال هذا النظام واضحة وليست متطرفة، "إما لا شيء أو الكل".
لا يمكن أن تكون نهاية التاريخ كما رسمها فوكويوما، فلو كانت كذلك، فستكون حتماً نهاية الوجود، فالرأسمالية هي النقيض الصارخ للحفاظ على البيئة كما هي تماماً النقيض الصارخ لإنقاذ البشر من الجوع.
إن كنا نؤمن في الناس، إن كنا نؤمن بهدف تطوير البشرية فأمامنا خياران إثنان: إما الإشتراكية وإما الهمجية.

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

السعودية: الرمز هو الماعز

في عام 1973إتخذت السعودية قرارا جريئاً بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة بناءً على موقفها من الحرب ودعمها الواضح لإسرائيل فيها، كان هذا القرار جماعياً لجملة دول مصدرة للنفط، وقد تبنى الملك فيصل آنذاك هذا القرار.
لقد شعرت الولايات المتحدة الأمريكية أنها في ورطة حقيقية، والأهم من ذلك أنها بدأت في التفكير بأن لا يتكرر هذا القرار في المستقبل مرة أخرى نظراً لتأثيره على الإقتصاد الأمريكي وضربه لبنى الإنتاج مباشرة والمعتمدة بشكل أساسي على الطاقة، الطاقة التي تعتمد على مادة أولية إسمها النفط.

تنتشر في أمريكا شركات الإستشارات بشكل كبير وفي كل القطاعات، وإحدى هذه القطاعات هو الإقتصاد نفسه، المهمة الأساسية لهذه الشركات هي دراسة الواقع الإجتماعي والإقتصادي للمجتمعات المستهدفة، وتوريطها للوقوع في شرك التبعية الإقتصادية إلى أن تستلب قرارها الإقتصادي والسياسي بفعل الديون، ولا تقوى لاحقاً على إتخاذ أي قرار قد يخالف مصلحة قائدة الإمبريالية في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.
شركة مين المتصلة مباشرة بوكالة الإستخبارات االمركزية الأمريكية، بدأت مشوارها بعد إلغاء قرار إيقاف تصدير النفط ، وزارت الرياض للبحث في حيثيات المهمة، وكانت نقطة الإنطلاق هي الماعز، فلقد شاهد مندوبو هذه الشركة قطيع الماعز أمام مبنى حكومي للتخلص من القمامة ولأداء المهمة التي لا يرغب الناس عنها.نقطة الإنطلاق كانت شركة بتقنيات عالية تقوم بهذه المهمة، ويلحق خلفها سيلٌ من الشركات حاملة معها مظاهر "حداثية"أخرى، وحاملة معها كذلك تلالٌ من الديون تحمتها السعودية.
اليوم وبعد أن تم إستكمال مشروع التبعية في السعودية، والذي يحمل في طياته قصصاً أخرى عديدة تدلل على فساد النظام الحاكم، تلعب هي نفسها "السعودية" دور "تمعيز" باقي الدول العربية أو الحفاظ على "تمعيزها":

· كان واضحاً التدخل السعودي في اليمن للحفاظ على اليمن كما هو، بلداً متراجعاً لا حول له ولا قوة، تدخل معناه الوحيد هو إجهاض الثورة ومنعها من تحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في بناء نظام عادل وقادر ومنتج.
·   الضخ السعودي للمال لشراء الثورة داخلياً و حماية الأنظمة المساندة خارجياً .
·االمناطق الطرفية في السعودية هي مناطق فقيرة، وقد تشكلت على مدار الغقود الماضية فئة واسعة من المهمشين والمفقرين، ولن تكفي آليات شراء الثورة إلى أمد بعيد، وسيتمثل الخط الثاني في القمع الأمني المدعوم بمرتزقة غير سعودية.
معركة الشعوب العربية في ثوراتها معركة مركبة، تتحدد فيها أطراف متعددة للصراع و لها مصالح مشتركة:
·  الإمبريالية العالمية الساعية إلى تأبيد منظومة التبعية ( إستهلاك، مجتمعات متخلفة صناعياً وتقنياً) وترتدي هذه التكتلات من الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرنسا إلى بريطانيا ثوب الحرص على الديمقراطية كمدخل أساسي.
·الأنظمة العربية الوكيلة، المستفيدة والمغتنية، والتي لا ترغب في تقديم أية مبادرات تقلص من أرباحها الخاصة، ومن هنا تسقط بالكامل أي فكرة لها علاقة بإصلاح النظام بديلاً عن إسقاطه.
·محاور إقليمية توسعية، لها مشروعها الخاص في فتح الأسواق العربية لمنتجاتها، وتبني دوراً سياسياً جديداً في المنطقة العربية، وتركيا تعد مثالاً واضحاً على ذلك.
لا بد للثورات العربية أن تكون ثورات دائمة، تسقط الأنظمة العميلة، وتمنع حمايتها من قبل الأطراف الخارجية، وتمنع إستبدالها على مزاج الأطراف الخارجية كذلك، المعركة مفتوحة بشكل واضح على المستوى الرسمي، بمعنى أن هذه الأنطمة متكاتفة لحماية بعضها وبشكل واضح.
المطلوب الآن هو إستكمال شروط الهدم، مع الأخذ بعين الإعتبار أساسات البناء القادم، الذي لا بد له أن يتجاوز الحلول القطرية إن رغبت الشعوب العربية أن تنهض من جديد!


السبت، 24 سبتمبر 2011

الثورات العربية: جيم رلدس وعمر توريخوس



لمن إطلع على اعترافات القاتل الإقتصادي جون بيركنز، لا بد له أن تعرض لاسمين: عمر توريخوس قائد بنما  ،والأكوادوري رلدس.

قامت حقبة القتل الإقتصادي التي تحدث عنها الكاتب على عدة أساسيات منها:

·  إجبار الدول التي تمتلك الكثير من الموارد الطبيعية على الإقتراض إلى الحد الذي تصبح معه عاجزة عن السداد، ويعود الإقتصاد إلى صيغته الأساسية من إقتصاد النقد إلى إقتصاد الموارد، وتضطر هذه الدول للسداد من خلال التضحية بمواردها الطبيعية.

·   يرافق القتل الإقتصادي وتهميش إقتصادات هذه الدول أشكال القتل الإجتماعي كذلك: معاهد لغات، دورات تدريبية على مقياس الإحتكارات، محاولات الظهور بهيئة الدولة المتطورة المتجولة في أنحاء العالم لتطوير الشعوب الأخرى وإسعادها.

·       تقوم المنظومة على أربعة عناصر أساسية: سلطة الشركات، والسلطة العسكرية الإمبراطورية العالمية، والمؤسسات المالية ، والحكومات المتواطئة في دول الأطراف.

في هذه الحقبة، عرضت إدارة الأكوادوري رلدس قانون الهايدروكربون الجديد، وكان هذا القانون مناوئاً لمصالح شركات النفط العاليمة في الأكوادور، ومنحازاً لمصلحة الشعب الأكوادوري، الأمر الذي حرك هذه الشركات ومعاونيها السياسيين للدفاع عن مصالحهم المشتركة ومواجهة جيم رلدس.

ثبت رلدس عند موقفه وواجه هذه المنظومة العاتية بشقيها الإقتصادي والإجتماعي، فقد ألحق بقانون الهايدروكربون أمراً بإغلاق معهد اللغات الصيفي المدار خارجياً، كل ذلك كان كافياً لأن تدبر وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية مؤامرة لإحراق طائرته وتحطيمها ليموت رلدس في 24 أيار عام 1981.

في بنما، كانت تطل صور عمر توريخوس معنونة ب " مثال عمر هو الحرية، ما من صاروخ يستطيع قتل المثل". كانت قناة بنما هي المعركة الأساسية التي خاضها هذا الرجل، كما عاند القروض لصالح مشاهد "الحداثة"على حساب الفقراء المظلومين.

في تأبين رلدس، وصفه عمر توريخوس بـــــ"الأخ"، واعترف بكوابيس تلازمه، يرى فيها موته بطريقة مشابهة، يرى فيها نفسه يسقط من السماء في كرة ملتهبة.

 نعم، لقد كانت نبوءته صحيحة، ومات هو الآخر بسيناريو مشابه في 31 تموز 1981 وعلى نفس الأيدي.

بعد توريخوس، واجه البنميون الحقبة الريغانية المتعطشة للاستيلاء على القناة بالكامل، وطرح على بساط البحث إنشاء قناة بالتعاون مع اليابان، فما كان من الولايات المتحدة إلى أن غزت بنما عام 1989، وقصفتها بشدة، ومنعت الصحافة والصليب الأحمر والمراقبين الخارجيين من الوصول إلى مواقع القصف.

ما زالت الإمبريالية تستخدم الأساليب ذاتها، القتل الإقتصادي، مرافقاً للقتل الثقافي والإجتماعي من خلال المنظمات الدولية في المدارس والجامعات وباقي مكونات المجتمع، ومازالت تعسكر لمصالحها براً وبحراً وجواً، تارةً باسم الحرية، وتارة باسم الديمقراطية.

بين توريخوس والثورات العربية اليوم، لا بد من الإنتباه للتدخل الخارجي بعين فائقة الحذر والإنتباه والتأهب للمواجهة:

·       إن التدخل الأجنبي الإمبريالي في المنطقة العربية  ولا سيما في عصر الثورات العربية عامل ليس ثانوي أبداً، ولا يجوز النظر إليه على أنه إشكالية بسيطة قد تحل لاحقاً. إن مبرر هذا التدخل هو تثبيت الصيغة التي رفضها يوماً ما الوطني توريخوس ونظيره رلدس.

·         لقد هاجمت أمريكا بنما دون حتى أن تروج مبرراً، فعند الأزمات لا مانع من الإنحياز للتعبيرات الصحيحة الفجة على حساب التعبيرات الزائفة الملتوية المنمقة. من يقل اليوم إن مواجهة التدخل الأجنبي هو إصطفاف إلى جانب الأنظمة إنما يحاول قلب الصورة، فمن يخفف من أهمية هذا العامل إنما هو مصطف إلى جانب القلتة الإقتصاديين والإجتماعيين.

·         "إن سلوك الأنظمة هو من جلب التدخل الخارجي للمنطقة"، لتعبير إنشائي ساذج !! فكما أن بنما تعد مثالاً على "التدخل دون مبرر"، فالبحرين واليمن تعد اليوم مثالاً على "غياب" التدخل "المبرر" كما يراه هؤلاء.

·         إن معركة الشعوب العربية اليوم ليست معركة حرية بطبعتها الليبرالية، هي معركة نهوض بهذا المجموع وفك الإرتباط التبعي مع المراكز، كيف؟ هذه هي المهمة البحثية والعملية الكبرى، وفي سياقها لا بد من دراسة التغييرات في البنى السياسية العربية أولاً بأول.

·         يتكشف زيف الديمقراطية الأمريكية على مشاهد قصف بنما كما على مشاهد إعتقال ناشطي وول ستريت، صيغوا ديمقراطيتكم أنتم التي لن تليق أبداً بالديمقراطية الأمريكية!

·         خسر الوطنيان توريخوس ورلدس معركتيهما، واليوم عولمة الاحتكار والصراع تتطلب عولمة مقابلة للمواجهة، ومن هذه المنطقة العربية نبدأ ونستفيد من الدرس.

  

الأحد، 18 سبتمبر 2011

المرسل كارلوس، الرسالة ستصل بعد

الفنزويلي إلييتش سانشيز المعروف بكارلوس، أشهر المتضامنين مع القضية الفلسطينية عملياً وعلى الأرض، راح ينشئ قائمة بأسماء كل الجهات والشخصيات المتآمرة لصالح المشروع الصهيوني الإمبريالي، حاله حال طفل "العالم المثالي" الذي سجل قائمة بكل الأشياء التي يرغب فيها وحرمته منها تقاليد شهود يهوى! بإختصار كان هذا الرجل تعبيراً عن عداء إستثنائي للصهيونية والإمبريالية العالمية،وغطرسة مشروعة في الدفاع عن المضطهدين.
في سياق تحركاته في باريس، سلسلة من التعقيدات أودت به في مواجهة خيارين لا ثالث لهما، إما مواجهة رجال الشرطة، القتل، فالهرب وإما الإستسلام ونهاية الحلم برمته، كان ديمقراطياً لصالح المضطهدين، وتبنى الخيار الأول.
حسم كارلوس موقع فرنسا في الصراع، وكان لها نصيباً لا بأس فيه على قائمته، نفذ مجموعة من العمليات كانت عملية إحتجاز وزراء البترول المجتمعين في أوبك أهمها، وكانت تستهدف بالمقام الأول رأس الوزير السعودي. بعد صولات وجولات، وتآمر الأنظمة العربية عليه، وهوس الإستخبارت الفرنسية في إعتقاله، كان لها ذلك في عام 1994، ومازال حتى اللحظة في سجون فرنسا "الديمقراطية" بوصفه إرهابياً.
من الزاوية الأخرى لنلقي نظرة سريعة على فرنسا "الديمقراطية" :
·       مما لا يخفى على أحد أن فرنسا كانت إحدى أهم دول الإستعمار، وكان لها إستراتيجية خاصة في طمس ثقافات الشعوب من خلال الدمج العشوائي للسكان، وبناء المدارس والمعاهد، و"فرنسة" اللغة.
·       فرنسا تعد عضواً أساسياً في التجمع الإمبريالي الناهب لثروات الشعوب، هذا التكتل يمتلك جيشاً هجومياً من ثلاث خطوط " الخط الأول هو القتلة الإقتصاديون المتخصصون في توريط رؤساء الدول بقروض لا تنتهي مآلها مرة أخرى للشركات متعددة الجنسيات، والعجز عن سداد هذه القروض يعني بالضرورة إستلاب القرار السياسي ونهب الموارد كعوض، الخط الثاني: أبناء آوى المتخصصون في عمليات الإغتيال للرموز التي لا تتفق مع الخط الأول، الخط الثالث وهو الحرب العلنية بإسم الديمقراطية ويستخدم في حال فشل أبناء آوى في عمليات الإغتيال"، وبالتأكيد يمتلك هذا التكتل خطة إحتياطية في الحالات الطارئة كإندلاع الثورات العربية، وهناك يكون التعاطي مفتوحاً على إحتمالات تكتيكية عديدة بما فيها الخطوط الثلاثة الأولى، هدفها الإستراتيجي واحد وهو الإبقاء على منظومة السيطرة والتبعية.
·       فرنسا كانت تفضل اللعب في ساحة الخط الأول قدر الإمكان، ولكنها بعد تجربة العراق تحديداً، أدركت أن المشاركة في الخطين الثاني والثالث هي الضمانة الوحيدة للحصة الدائمة.
·       في ليبيا، شاركت فرنسا في الخط الثالث وبعد إنهاء المهمة ها هي تشارك أيضاً في الخط الأول القابل تماماً للتطبيق مع المجلس الإنتقالي الحالي، تستضيف مؤتمراً بعنوان" أصدقاء" ليبيا ، وتعلن عن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الليبية لصالح مشاريع "إعادة الإعمار"، لن يكون هناك الآن حاجة للخط الثاني في ليبيا، فليس هناك  في مجلس الجكم الإنتقالي من يتطلب الإغتيال لمعارضته شكل الإقتصاد القادم.
·       في تونس، فعلت فرنسا كل ما يمكن فعله للحفاظ على مصالحها وإستثماراتها في إحدى أهم أسواقها.
·       في سوريا، تقدم فرنسا المشروع تلو المشروع لمجلس الأمن لتشديد العقوبات عليها، وتفتح دفاتر التاريخ لتلوح بتهديداتها في حال تعرض قواتها المشاركة في اليونيفيل في جنوب لبنان لأي خطر، وتقول أنها ستتدخل في سوريا في حال تفويض دولي.
·       حساسية فرنسا للديمقراطية وتعطشها لوهبها لشعوب العالم أجمع دفعتها لإشتمام رائحة الدم في سوريا وليبيا ولكنها لم تشتمه أبداً لا في البحرين ولا في اليمن!!
·       وفي الأردن تفتح فرنسا قنوات الإتصال مع إحدى الجهات المتربصة للسلطة "الإخوان المسلمون"، الذين لن يترددوا للحظة في إستكمال مشاريع الخصخصة وإدخال كل "زناة الليل" إلى هذه الحجرة الإقتصادية الضيقة.
مهمة الشعوب العربية مزدوجة، الإسقاط الداخلي، وفقط الداخلي للأنظمة العربية، ومواجهة التدخل الإستعماري الخارجي.
الديمقراطية في التعبير الإنشائي هي قمة الحياد، ولكنها في الواقع هي قمة الإنحياز، كارلوس عبر عن ديمقراطيته لصالح جموع من المضطهدين والمظلومين، وفرنسا عبرت عن ديمقراطيتها لصالح شركاتها وأصول أموالها، وأنتم؟؟؟
تحضر مجموعة من الشباب المناهضين للإمبريالية لإعتصام أمام مبنى السفارة الفرنسية معبرين عن إحتجاجهم على هذا الشكل من التدخل الإستعماري، من المتوقع أن تكون هناك رسالة واضحة بإسم كارلوس ، والرسالة ستصل بعد......


 





الجمعة، 9 سبتمبر 2011

الناتو في عيون الثورات العربية

للثورة معنىً فلسفياً وعملياً محدداً، أن يسقط النظام الإقتصادي السياسي الإجتماعي القائم ويحل بديلاً عنه نظاماً جديداً له عناصره الجديدة التي تتحرك داخلياً بشكل مختلف تماماً.هذه هي المعادلة التي يجب أن تبقى حاضرة في الأذهان مع الإحتفاظ بأهمية التفاصيل التكتيكية، التفاصيل التي تقود فقط إلى الناتج النهائي "نظام إقتصادي سياسي إجتماعي جديد يتخطى سابقه".
لقد كان العراق سابقاً قوة وازنة في المنطقة، ولا داعي هنا للحديث عن مظاهر ذلك الحضور الوازن، كان نظام البعث وازناً، وكان أيضاً دكتاتورياً (مع العلم أن الديمقراطية حتى اللحظة لم تتجاوز تعريف "ديكتاتورية طبقة")، الآن العراق قسم وتشرذم و وعاد عقوداً عديدة إلى الوراء وعليه تسديد فواتير الحرب مضاعفة بالكامل.
المشهد في ليبيا وسوريا لا يختلف إلا من ناحية مبرر الإستهداف المعلن والشكل الحاضن له، فالهجوم على العراق كان تحت ذريعة إنقاذ شعب من ديكتاتورية لم يثر عليها ومنحه "الديمقراطية"و"الحرية"، كانت مبادرة إستعمارية بالأساس هدفها الإستيلاء على ثروات العراق، وفتح سوق جديدة فيه تتناغم مع متطلبات الإستثمار، وإعادة ترتيب شكل المنطقة بما يتناسب مع مصالح الإحتكارات.وفي سوريا وليبيا تعطى الحالة شكلاً آخر، الشعب يثور حقاً، ونظراً لعجز الأطراف الخارجية عن منع إندلاع الثورات بالأساس يتم إستكمال المشروع من هذه النقطة، الأنظمة تدافع عن وجودها وتقمع، تتربص الأطراف الخارجية إنفجاراً إعلامياً يتصاعد في الشعارات إلى حد طلب النجدة و "الحماية الدولية"، وعندها تتم مقاربة الصورة العراقية !
خطوات ومشاهد الناتو وما بعده كثيرة، يمكن ذكر الآتي منها:
· يقوم الطيران بإستخدام وتجريب أحدث أنواع التقنيات العسكرية لتدمير البنى التحتية من مبان ومنشآت     ومصانع ومستشفيات ... إلخ خاصةً إذا كان النظام القائم كان قد أنجز قدراً لا بأس فيه في هذا السياق، ويمكن مراجعة الأهداف الأولى التي أصابها الإحتلال في العراق.
·       في سياق الهجمة العسكرية يؤتى بوجوه "معارضة" هي القائدة لمجلس إنتقالي قادم وغالباً ما ينتهي دورها السياسي على تخوم مرحلة "الإنتقالي".
·       بعد إنهاء العمليات العسكرية وتدمير ما أمكن تدميره، يصبح المجلس الإنتقالي واقعاً، تفرح الناس وتغني في الشوارع لسقوط الإستبداد، ويتم الإعلان عن عراق جديد، أو ليبيا جديدة، ولربما سوريا جديدة.
·       قد يتم تقسيم البلد بحجة الحرص الحساس على مصالح الأقليات وحقهم في "تقرير المصير"، ويتشكل في هذه الحالة أكثر من مجلس إنتقالي أو مجلس إنتقالي كبير!
·       يتفق القاتل مع أعوانه بتسديد الفاتورة كاملة، والحساب كبير جداً يتحول إلى مديونية: ثمن القنابل والصواريخ، ثمن الرصاص، بدل تأمين حياة الجنود القتلى، رواتب الطيارين والمشاة خلال الحملة، وقود الطائرات، وبدل "يدمقراطية" كذلك. وهكذا يصبح إنتاج النفط لعامين، لثلاثة، لعشرة، مكرس لتسديد فاتورة الحرب و"الحرية".
·       بعد تدمير البنية التحتية بالكامل، تصبح الحاجة ملحة لإعادة بناءها، فالطرقات وشبكات المياه والصرف الصحي بحاجة إلى إعادة بناء، وأبراج الإتصالات كذلك، وشركات التأمين تجد سوقاً جديدة في حالات عدم الإستقرار،  وتتصارع شركات الناتو "حامية الحريات" لتبني تلك العطاءات، ويتحول الناس إلى عبيد عند هؤلاء، ويزدهر ربيع الديمقراطيات العربي.
قد يقول قائل، هذا دفاع مبطن عن أنظمة بالية، ولا بد من التخلص منها بأي ثمن كان. الحقيقة أن هذه الفكرة والتي تجد رواجاً ليس بالقليل في الأوساط الشعبية والثقافية كذلك، بحاجة إلى مراجعة تصل حد الهدم في نهاية المطاف، إنها فكرة قاتلة تبقينا في عصر الإستعمار الذي لم نتخلص منه بعد على أية حال،  للناتو وللإحتكارات مصالحها والتي لن تقود إلا إلى تقسيم و/أو المجيء بنظام أسوأ أو إعادة إنتاج نفس النظام في أحسن الأحوال.
في اللحظة التي تطل فيها رؤوس طائرات الناتو يجب أن توجه البنادق صوبها، وبالمناسبة هذه هي الخطوة الأولى في إسقاط "النظام"، فإن كانت الشعوب عاجزة عن إسقاط "الأنظمة" بلا ناتو، فكيف لها أن تسقط الناتو لاحقا بلا "نظام" ً؟؟؟