الجمعة، 23 مارس 2012

الرأسمالية وأوهام السوق الحر


تقدم الرأسمالية حرية النشاط الإقتصادي على أنها عنصر بشري هام، وتراهن على هذه الحرية على أنها "اليد الخفية" في بناء المجتمعات، هذا ما راهن عليه آدم سميث في أهم أدبيات الرأسمالية، لقد كان هذا الفكر وما زال فردياً بالكامل، فهو لا يطور القدرات الفردية بل يعزز النزعات الأنانية ويقضي على روح الإبداع الفردي في آن واحد.

في اليد الخفية لآدم سميث رسالة إلى البحث عن المصلحة الفردية، ومن هناك يتم بناء المجتمع ضمنياً وبطريقة "ساحرة"، الجميع في سياق بحثه عن مصلحته الخاصة، يجبر على التعامل الجيد مع الآخرين، ومن هنا تتعاظم أخلاقيات هذا المجتمع بطريقة قسرية وإجبارية تحت شعار المصلحة، والمصلحة فقط.في الرأسمالية تجلت حرية السوق نظرياً في آدم سميث وتحديداً في مبدأ "اليد الخفية"، ومفادها أن المجتمع يتطور ويتقدم إنطلاقاً من حرص الفرد على مصلحته الخاصة ،  وفجأة يكتشف أنه يقدم الفائدة للمجموع "نحن لا نتوقع الحصول على عشائنا بفضل نزعة الخير لدى اللحام أو الساقي أو الخباز، بل من إهتمامهم بمصلحتهم الخاصة". كان لهذه النظرية أن تسمى باليد القذرة بدلاً من الخفية، لقد تطورت لغة النظرية إلى أن أصبحت بالكامل لغة سلطة، وبات كل شيء متاحاً لتحقيق "المصلحة الخاصة" التي تصب في النهاية لصالح "المصلحة العامة" تحت عنوان إرضاء الزبون "customer satisfaction"!!، ومن هنا يمكن التعريج على منظومة الفساد التي تحارب اليوم بمعزل عن الصورة الكاملة والنهائية للنظام ككل، فتحقيق المصلحة الخاصة كهدف أساسي لا يمكن له أن يتقاطع بهذا النحو الأخلاقي اليوتوبي مع المصلحة العامة.

إذن بهذا المنحى يتهاوى الإستعراض الأول لهذه النظرية بقدرتها على بناء المجتمع ودفع شبكة العلاقات الإنسانية للحركة بطريقة ضمنية، ودون تأثير أو تدخل الذي تعيب به هذه النظرية، النظريات الأخرى.

ولكن لو توقفنا قليلاً عند التجربة التاريخية العملية لهذه النظرية، هل فعلاً تمكنت من بناء حياة تسير بقوة الدفع الذاتي دون تدخل، إذن ماذا عن حقبة الحرب والإستعمار التي خاضتها البرجوازية الأوروبية ضد شعوب العالم أجمع، وماذا عن أدوات الإدارة القمعية بحق العمال إبان الثورة الصناعية، وماذا عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، وماذا عن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الغزو العسكري كأحد أشكال غزو الأطراف، وماذا عن تدخل الدولة لإنقاذ النظام من الإنهيار في أزمتي 1929م و2008م بالتحديد. هل هذا هو الشكل الحر للإقتصاد الحر، وحرية النشاط الإقتصادي. إن االإستنتاج النهائي لذلك هو أن التدخل عامل أساسي في معادلات الإقتصاد، بقي أن نحدد نحن شكل هذا التدخل، هل هو تدخل بمنحى إحتكاري إستغلالي يتمثل في الرأسمالية كنظام، أو بمنحى عادل وناظم يتجلى في الإشتراكية كفكر وكتطبيق يحتاج لمزيد من البحث والتمحيص. وبموجب إلزامية هذا التدخل، تصبح هذه النظرية على حد تعبير المفكر سمير أمين "الفيروس الليبرالي"، نظرية خيالية وغير قابلة للتطبيق على النقيض مما تدعي وعلى النقيض مما تهاجم به النظريات الأخرى في طوبايتها.

إن المرد الإجتماعي لليد الخفية هو مزيد من النصب والإحتيال والجرائم والحروب والمجاعات والأوبئة وتدمير البيئة، كل ذلك لا يمكن له أن يكون في إنفصال عن الرغبة في الربح الدائم وترصيد المزيد من الأرباح، مهما حاولت المنظمات العالمية تجميل هذه الصورة وتزييف الحقائق، من خلال إتفاقيات حقوق الإنسان، وكيوتو،وسيداو وغيرها....

لا يقتصر تأثير اليد الخفية والرأسمالية بالضرورة على تفشي الجرائم والنصب والإحتيال، بل يطول النفس البشرية ليصيبها بالإكتئاب والإحباط، والعجز عن الشعور بالسعادة في الفعل المرغوب، الفعل المرغوب بما فيها العمل، فبما أن الربح هو الفكرة المركزية التي تدور باقي الأفكار في فلكها، فلا داعي هنا للحديث عن الميول والرغبة، ليصعد العرض والطلب كعامل أساسي ووحيد في الإختيار، فوحده القادر على تحديد نوع الفعل وشكله وتوقيته. ومن هنا أيضاً تسقط أوهام الرأسمالية في تطوير "الموارد البشرية". فهل من الممكن الحديث عن حرية الإقتصاد بمعزل عن حرية الإختيار والإبداع الحر للعاملين؟ في الحقيقة وفي ظل البنية الإقتصادية الرأسمالية يكمن العرض والطلب في المركز، وتصبح مسألة الحرية مسألة ثانوية. بمعنى أن خيارات البشر في العمل ووفقاً لآليات تقسيمه  لا بد لها أن تصطدم في أفق "النجاحات" الراهنة  "مستويات الدخل، فرص العمل،...إلخ". إن الطلب هو المحدد الأساسي للإختيار، فهو فرصة النجاة من واقع مرير قادم "البطالة، إنخفاض الدخل، غياب الضمانات الإجتماعية الأساسية،...إلخ". لذلك فإن  نهج العرض والطلب هو النقيض الصارخ للإبداع والإختيار الحر، هو القيد الأساسي لإنفجار رغبات الناس وترجمتها إلى قيمة حقيقية.

في البحث عن جدوى أية فكرة ذات علاقة بالمجتمع وعلاقات الشعوب والأمم، ينظر إلى مردودها المصلحي، ولصالح من. وفي الوقوف على حرية النشاط الإقتصادي، لا بد من الوقوف عند حدود هذا السؤال. لقد تحولت حرية النشاط الإقتصادي إلى أفكار وإلى أدبيات على يد الفئة المستفيدة من ذلك، البرجوازية الأوروبية بالدرجة الأولى.



في حرية النشاط الإقتصادي، هناك العديد من الملاحظات على النقيض من الفكرة وتطبيقها، ومنها:

·       وهم النظرية على المستوى التطبيقي، في زاوية غياب التدخل تحديداً. وهنا أتحدث عن النظام الإقتصادي الإنساني في ظل ظروف الذاتي والموضوعي المتاحة في عصرنا، أما في الحديث عن نمط الحياة الفوضوي الأكثر سعادة فله ظروف إجتماعية تتعلق بالوعي الجمعي تحديداً، تجعل منه أملاً فيما هو لاحق.

·       الإفرازات الإجتماعية المتمثلة في الفقر والجوع والجرائم والنصب والإحتيال والإحباط والإكتئاب، هي الناتج الطبيعي لليد الخفية والرأسمالية.

·       سقوط الميول والرغبة أمام سلطة العرض والطلب.

·       إنحسار الفئة المستفيدة من أفكار حرية النشاط الإقتصادي في الفئة ذاتها، الطبقة المحتكرة للثروة وأنصارها الكمبرادوريين.

هنا في الحديث عن حرية الفعل الإقتصادي، لا مكان للحياد إما أن تكون مع الرأسمالية العالمية وإما أن تكون ضدها، نشر الكاتب يوهان نوربيرج كتاباً بعنوان "دفاعاً عن الرأسمالية"، حاول أن يعرض فيه مجموعة من الدلائل على تراجع حدة الفقر في ظل الرأسمالية وليس العكس، إنطلق من مجموعة من المشاهدات في الهند والصين ودول المنظومة الإشتراكية السابقة، وأن حال هذه الشعوب تحسن في ظل الرأسمالية العالمية، إعتمد على مجموعة من الإحصائيات ذات العلاقة بنسبة الوفيات بين حديثي الولادة، وعدد السكان، ومتوسط عمر الفرد، وإرتفاع معدل الدخل، ونسب الأمية.

ولكن هل يمكن الإستناد إلى هكذا أرقام، مع التحفظ على العديد من النسب التي يروج لها، في الوصول إلى إستنتاجات مفادها تراجع الفقر في العالم وتحسن أحوال الشعوب (دفاعاً عن الرأسمالية، يوهان نوربيرج) ، هنا لا بد من لفت الإنتباه إلى المسائل التالية:

·       إن المقارنة بين الخمسينيات والسبعينيات من جهة والتسعينيات والألفية الثالثة من جهة أخرى، هي بحق مقارنة مجحفة ومضللة، فنحن نتحدث هنا عن مرحلتين يفصل بينهما إنفجار كبير للثورة التكنولوجية، هذا الإنفجار الذي كان لا بد له أن يقدم الشيء الكثير في تطور حياة الشعوب وتسهيلها، ولكنه تحول في أماكن عديدة إلى أدوات إستلابية للناس وإستخباراتية عليها. هذا التطور الذي لا بد له بالضرورة أن يسحب معه تطوراً هائلاً في الطب والصناعات الدوائية، لم يتناسق مع درجة الإزدياد في عمر الفرد أو نسبة الوفيات من حديثي الولادة.

·       لا يجوز أبداً، وحتى من روح أدبيات الرأسمالية ذاتها، أن يتم مقارنة متوسط دخل الفرد مع تجميد التضخم كعامل أساسي، فهنا لا يمكن الحديث عن إزدياد خطي في متوسط الدخل يرافقه منحنى خطي للزمن.

·       إن الثورة التكنولوجية لم تحد من الفقر بما يتوازى مع مستواها كثورة من جانب، ومن الجانب الآخر خلقت مجموعة من المستلبين، الذين أطلق عليهم الدكتور هشام غصيب مسمى "البروليتاريا الذهنية"، هذه البروليتاريا الذهنية تضم صفوفاً عريضة من العاملين الموتورين، والفقراء، وذوي الدخل المحدود، والأغنياء غنىَ مؤقت مهدد بشكل دائم، مستلبة لا تشعر بالسعادة، مكتئبة، خائفة، ومترددة، وتعاني حالات إنتحار عديدة على أية حال، مدينة بشكل دائم، تخشى المستقبل والماضي كذلك، وتتمسك في الحاضر على أنه أفضل صيغ السيء، أسيرة للعرض والطلب، وباتت مستعدة للإستغناء الكامل عن رغباتها وطموحاتها، وأبقت على حلم واحد لا يتحقق أبداً، أن تصبح يوماً ما غنية. في طل هذا الإستلاب ليس من الغرابة أن تروج الدراسات الأمريكية نفسها كالتالي "72% من العائلات الفقيرة في أميركا تمتلك سيارة أو أكثر، 50% تمنها تمتلك مكيفا هوائياً، و20% منها تمتلك غسالة صحون،،،، إلى آخره المشاهد التضليلية.

·       لعبة الرأسمالية العالمية تكمن في الدراسات والأرقام، التي تنتجها هي نفسها، وتضيء على ما تشاء منها: نسب النمو، التضخم، الوفيات، المشاريع "الإنمائية"، ....إلخ. الأرقام بحر من الدلائل مع وضد، ولكن الواقع لا يمكن أن يقاس هكذا، ففيه العديد من الظواهر العابرة للأرقام الزائفة والملطفة، فيه الفقراء، والمرضى العاجزين عن السداد، وفيه المرضى المخدوعين من قبل شركات التأمين، وفيه أناس بلا مأوى، وفيه ماراثون القروض السكنية، إنها بحق النظرية الإقتصادية الخيالية. 

عن أي تراجع لحدة الفقر نتحدث، إن كانت الباكستان صاحبة القنبلة النووية، توزع الطاقة الكهربائية، ليتم إيقافها عن العديد من المدن بمعدل 10 ساعات يومياً؟ ما نقوله هنا أن الحداثة خلقت أبراجاً عالية، وتقنيات حديثة، وتواصلاً إجتماعياً تقنياً، ومولات واسعة، وماركات كثيرة لغايات مجتمع الإستعراض، ولكنها أبداً لم تخلق السعادة البشرية، خلقت طبقة فقيرة في أشد حالات العوز، تغيب عنها الدولة أو المركز في الرعاية الإجتماعية، وطبقة وسطى مترددة وخائفة وموتورة و مستعرضة، وطبقة غنية غير آبهة. هذا هو النتاج الإجتماعي العيني والملموس للمجتمع الرأسمالي.

يتناول كتاب نوربيرج عرضاً للتجربة الصينية، ويدعم الإنفتاح الإقتصادي فيها الذي بدأ في عهد دينغ بنغ عام 1978، وينظر إليه على أنه مؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز الديكتاتوري المركزية السابقة التي كانت تطالب المزارعين بتسليم إنتاجهم، ويعتبر ذلك مؤثراً على التقليل من إنتاج المحاصيل. ولكن هل حقاً تحسنت الأحوال في الصين بعد هذه الحقبة؟ أشار بوركت في كتاب "الصين والإشتراكية" إلى أن الريفيين الصييين اليوم يبيعون دمهم للحصول على المال!

فيما يخص الزراعة كإحدى أهم قطاعات الإنتاج، فالخصخصة تعني المزيد من الحلقات الوسطى التي تفصل بين المزارع "المنتج الأول"، والمستهلك الأخير، والتي تعطيها الرأسمالية إسماً مهذباً "شبكات التوزيع"، إن أي خلل في إحدى هذه الحلقات "إرتفاع تكاليف عملها، رغبتها في مزيد من الأرباح ومن خلال الإتفاق مع المنافسين"، ستسحب معها المزيد الرغبة المشابهة في الحلقات اللاحقة، الأمر الذي يسدد الضربات المتلاحقة للمستهلك الأخير من جهة، ويعطي إحدى المبررات لأكذوبة التضخم في النظام الرأسمالي.

وينتقد الكاتب كذلك تجربة الحماية الإغلاقية التي مارستها الهند على الإستيراد والتصدير، ويعتبر أن هذه الخطوة بتأثيراتها على الإستثمار، وبعوائق البيروقراطية، قد أثرت على الإقتصاد الهندي، ويتناسى تماماً أن نقطة الإنطلاق لإستقلال الهند عملياً بدأت من هذه النقطة، بدأت من مسيرة الملح ودعوة غاندي للشعب الهندي أن يجتمع ويحرق ملابسه التي تصنع في بريطانيا وينهب قطنها من الهند، وهذا هو حال الإستعمار يخرج من النافذة حاملاً سلاحه ليدخل من الباب عارضاً شرائح البوربوينت لمنتجاته، وبأمر من صندوق النقد الدولي أن لا يتنج مثيلاً لها داخلياً.

يجري الترويج إلى أن الغرب أصبح "العالم الغني" لأن فيه نظاماً إقتصادياً حراً، جميل! إذن لو إقتدت شعوب الأطراف المقهورة بذلك، وتخلت عن حريتها في الإستهلاك، لتصبح حرة في الإنتاج، هل سيستمر النظام الرأسمالي العالمي؟ بالتأكيد لا، فمعنى الحرية في الإنتاج والرغبة فيها وتأطيرها، وذلك الأهم بداية، بنظام سياسي يعمل على ذلك، يعنى إختناق المراكز العالمية المصنعة من غياب الأسواق، وعندها سيتضح فشل هذا النظام لأن يكون عالمياً بحق، فهو لا يستطيع الحياة في منظومة عالمية إلا إذا كانت إحتكارية.

أما أكثر حجج الرأسمالية إثارة للضحك والسخرية، أن السوق الحر يقلل من نسب الفساد. إن الفساد ظاهرة أصيلة ملازمة للنظام الرأسمالي، فعلاوة على مجموعة القوانين التي تنتجها السلطة ذاتها لصالح الفئات الإحتكارية، تقف الدولة في موقع الجابي والناهب لأموال الناس، دون عمل مقابل، دون رعاية إجتماعية، ودون حتى حماية إقتصادية. إن ما تعيب به الرأسمالية على الإشتراكية، تمارسه دون مقابل ودون ضمانات.  



يقول الرأسماليون إن الإقتصاد ليس "لعبة مجموع الصفر"، لكنه في الحقيقة لعبة الأرقام الموجبة للطبقة المحتكرة والسالبة للفقيرة والصفر للمستلبة. وتفاوت النسب داخل هذه اللعبة هو الذي سيخلق الإنفجار الكبير القادم، قريباً فعلاً هذه المرة...

الثلاثاء، 7 فبراير 2012

ماذا لو نجح المعلمون؟

                                                                                                                                                       محمد فرج
لا يخفى على أحد الصعود الكبير في إحتجاجات الحركات العمالية على مدار السنوات الستة الماضية في الأردن ، وعندما نقول عمالية فهذا ليس مختصرُ أبداً على أنماط  محددة من العمل، فالعامل هو كل من يقدم جهداً ما عضلياَ كان أم ذهنياَ لقاء أجر، وهذه الصيغة تنطبق على أبناء الطبقتين الفقيرة والوسطى على حد سواء.يتذكر الجميع إحتججاات عمال المياومة، وعمال الكهرباء، وعمال الموانئ، وعمال البوتاس، وعمال ملح الصافي، والأطباء، والإتصالات، والمعلمين، .....إلخ والقائمة تطول.

في حراك المعلمين وعمال المياومة على وجه التحديد، كان هناك علامة إيجابية فارقة، وهي الإستمرارية في التصعيد وضبط إيقاعه في آن واحد، هذا يعني القدرة على إختيار الفعل المناسب ضمن شروط وظروف الذاتي والموضوعي، والميل الدائم إلى التصعيد ، والرد الدائم على التهم الجاهزة من قبل السلطة مثل محاولات التخريب، وتعطيل مصالح الآخرين، وتراجع الإنتاج. فإضراب الأطباء على سبيل المثال خطا بثبات في البداية، ولكنه تعرض لاحقاً إلى إنتكاسات ذات صلة بالتحشيد والهجوم الإعلامي المضاد الذي حاول تأليب الفئات الإجتماعية الأخرى عليهم من خلال تشويه صورة ضمائرهم ( تجاهل الحالات الطارئة على سبيل المثال، مع أن ذلك لم يحصل أبداً).
والآن، المعلمون قد يكونوا معرضين لأسئلة وأفخاخ من ذات الطابع، فبعد مرور يومين على إعلان المعلمين الإضراب عن العمل، ستبدأ السلطة المتهربة من منح هذه الفئة الإجتماعية المهمة حقها، ستبدأ في تأليب الآخرين عليهم، وستحاول عرض مشهد الإضراب وكأنه معطل للعملية التعليمية، وكأنه المسبب لحرمان الطلبة من التعليم،  وقد تعامل الإعلام الرسمي مع هذه الموجة بما يتناسق مع مزاج ومصالح السلطة، فكانت العناوين العريضة متمثلة في "رغبة الأهالي للجوء للقضاء"، "عودة الطلاب إلى منازلهم أو تسكعهم في الشوارع!"، كل ذلك سيحاولون تحميل عبئه للمعلمين، ولكن هذه الحيلة معروفة تاريخياً، هي الحيلة التي تعلمتها الأنظمة العربية على يد الأنظمة الإستعمارية العالمية وعلى يد الأنظمة البرجوازية الأوروبية، ترهيب الشعوب من خطر النتائج المؤقتة التي بطبيعة الحال ستجلب عقبها النتائج الحقيقية المطلوبة، دائماً تحاول الأنظمة إخافة الشعوب من فوضى قادمة تعكر صفو رتابة النمط السيء للحياة، وتعكر صفو "الأمن والأمان" ليصبج الجوع أكثر أماناً ليس إلا!

فليتوقف التعليم شهر إضافي من الزمان ليجلب وراءه معلمين واثقين غير محبطين ومطمئنين لحياتهم وبالتالي قادرين على منح المزيد للأجيال القادمة. نعم، لحظة مجمدة من التاريخ ويليها الخير كله، فلتكن كذلك أو لا تكون!
من أساء للعملية التعليمية هي السلطة، عندما أدخلت كل زناة الليل ليعبثوا ويتلاعبوا في ثقافتنا ومناهجنا وتعليمنا، لا لشيء سوى لضمان جيل إضافي من التبعية وإنعدام القدرة الذاتية، والمعلمون اليوم هم من يحاول تصحيح كل ذلك من خلال عقد إجتماعي جديد في حزمة واحدة، الرواتب والمناهج والحقوق. المعلمون اليوم يخوضون معركة متعددة الجبهات من تعنت السلطة في تلبية مطالبهم المحقة إلى التجييش الإعلامي ضدهم إلى التلاعب بمشاعر الناس خوفاً من "الفوضى" ، وفي هذه الحالة التجييش المضاد والإيجابي من قبل المعلمين مهم، هذه هي بالضبط المرحلة التي يطالب بها مجموع كبير بتغيير جذري حاسم للعملية التربوية برمتها وتقابله السلطة التي تحاول اللعب على الجزئيات التفصيلية لتمويه الحقائق واللعب على الوقت والنتائج المؤقتة.

سيخرج المسؤولون من كل جهة يطالبون المعلمين بإيقاف الإضراب كي لا "يظلم" الطلبة و"يحرموا" من حقهم في التعليم. ولكن الظلم الحقيقي، والظلم الإستراتيجي طويل الأمد هو من إنتاج السلطة وليس من إنتاج المعلمين، تأتّى هذا الظلم من خلال المناهج وحرمان المعلمين والطلبة كذلك من حقوقهم التي تحتاج إلى تخصيص مالي قد يكون الأهم في البلاد. إن "الظلم" المؤقت هو بوابة العدالة الشامة والجذرية بمنحى راديكالي خالص، المعلمون بإضرابهم لا يبحثون عن نتائج اليوم والغد القريب، هم يبحثون عن الحلول الشاملة والنهائية، ولذلك تحمُّل "الفوضى" المؤقتة هو في صالح الطلبة والمعلمين على حد سواء، ولكنه ليس في صالح السلطة بطبيعة الحال.
في إضراب الأطباء، سار المجموع بخطىً واسعة و متسارعة، وكان عنصر الصبر حاضراً، كان المطلوب هو صبر الساعة الأخيرة، الأهم والأخطر والأكثر جدوى، الضربة الأخيرة لجدران الخزان لتحمل معها نتائج الضربات السابقة، والتي ستوصل التناقضات إلى قمة التعقيد وهي بالضرورة النقطة الأقرب إلى الحل، وبالتالي تصعيد المعلمين أكثر وأكثر في إضرابهم مع الإجراءات التجييشية المطلوبة هو الحل.
نجاح إضراب المعلمين، لا يعني إنجازاً للمعلمين والطلبة فقط، هو إنجازُ للطبقة العاملة الأردنية بأكملها، هذا النجاح سيفتح الباب أمام باقي فئات الإحتجاج الإجتماعي لتنظم نفسها أكثر وتؤمن أكثر بجدوى العمل الجماعي وقدرته على إنتزاع حقوق الناس سياسياً وإقصادياً وإجتماعياً، هذا النجاح سيرفع منسوب الثقة عند الجميع أن الأساس في هو الطبقة العاملة، هي التي تخطط وهي التي تقرر...

الأحد، 5 فبراير 2012

لا حاجة للبوند في الأردن


لا حاجة للبوند في الأردن..                                                          محمد فرج

البوند هي منظمة في روسيا ضمت العديد من العمال اليهود، وتم التنسيق معها للإنضمام إلى صفوف الحزب الإشتراكي الديمقراطي في روسيا، وطالبت لاحقاً بفيدرالية تنظيمية خاصة بها بصفتها الممثل الأساسي لليهود في روسيا، أي أنها تعبر عن حزب قومي يهودي له خصوصيته التنظيمية في حزب أبى أن يسمي نفسه بالحزب الروسي، بل إستخدم "في روسيا" بديلاً عن ذلك.

كانت روسيا حاضنة لقوميات عديدة، أكثريات وأقليات، منها من كان محسوباً على النظام القيصري، ومنها من كان محسوباً على صفوف الفقراء والمظلومين. لقد كان سؤال القوميات المتعددة هو الأهم والأكبر في التحضير لثورة عام 1917م، ولإنجاحها، لأن الإجابة الخاطئة عنه كانت تعني بالضرورة حرف مسار التطور بالكامل.

كان موقف فلاديمير لينين متماسكاً وواضحاً بهذا الخصوص: "لا مجال للتراجع عن توحيد هذه الهويات في هوية واحدة: أنهم جميعاً فقراء"، ومن هنا بدأ العمل في مختلف مناطق روسيا على هذا الأساس، ورفض طلب البوند في فيدرالية تنظيمية، وإستمر العمل لكسب العمال اليهود الفقراء والمضطهدين في صفوف الحزب، وتوحيدهم مع باقي العمال من مختلف المناطق، وتم العمل على تقديم هوية الفقراء على أي شيء آخر، ولم تقدم أية تنازلات أو قرابين براغماتية في ذلك السياق، ولم يتم إنتاج خطاب يهودي خاص بالعمال اليهود لكسبهم في صفوف الثورة، فكل ذلك كان في نظر البؤرة المنظرة للحزب إنتصارات مؤقتة تجلب عقبها كوارث وخيمة.

 إعتبر لينين أن دك الملكية هي الخطوة الأولى لحل المسألة القومية في روسيا، وأن الملكية نفسها هي من تحاول دائماً إذكاء صراعات اللغة والهوية والثقافة و حتى الوطن أحياناً، إما لكي تحمي نفسها من عدو خارج حدودها، أو لكي تبقي نفسها منصورة بفئة على حساب غيرها داخل حدودها.

وعلى صعيد آخر، كانت المسألة البولونية منذ أواسط القرن التاسع عشر إحدى المسائل الحساسة، وتعددت المواقف المتشكلة تجاهها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. لم يكتف كارل ماركس آنذاك بتدعيم وجهة نظره القائلة بإستقلال بولونيا، بل ألحقها بتوضيحات كثيرة للتمييز بين موقفه وموقف البرجوازية الديمقراطية التي تؤيد إستقلال بولونيا كذلك.

عادت بولونيا لاحقاً لتكون إحدى الأسئلة التي واجهها الحزب الإشتراكي الديمقراطي في روسيا، عادت ضمن حزمة كاملة عنوانها الأساسي "حق الأمم في تقرير المصير"،  وكانت الإجابة عن ذلك واضحة جداً: إن هناك ملايين الأفكار تسبح في مدارات العقل البشري، والمواقفيون بالعادة ينتخبون منها الأهم والأقرب للسعادة البشرية لتكون بوصلة الأخرى ومركزها، وبذلك تخضع كل الأفكار في اللحظات التاريخية الحاسمة لحسابها. فكما كانت مصلحة الشعوب الثائرة في روسيا أن تضع حسابات الهوية خلفها، كانت مصالح البولونيين  في الإستقلال كذلك في أواسط القرن التاسع عشر وعلى النقيض من ذلك بعد الثورة الروسية.

يقف الحراك الشعبي الأردني أمام سؤال من ذات الطابع، إنه سؤال الهويات الفرعية التي أنشأها الإستعمار والإحتلال الصهيوني لضفة الأردن الغربية وعززها بتصدير أنماط إجتماعية وإقتصادية وسياسية على حد سواء. التحدي الأكبر هو تفتيت كل شيء قائم وبناء الجديد في الإقتصاد والإجتماع والسياسة، هنا بالضبط تظهر أهمية الخطاب السياسي للتعبير عن حاجات الناس في حقيقتها وفي ذاتها، فئات مفقرة في أطراف العاصمة والمخيمات والمحافظات، وطبقة وسطى مكتئبة ومحبطة في وسط ثقافة القطاع الخاص في مركز العاصمة.

هناك فرصة لمنع ظهور البوند في الأردن، وهناك فرصة لجعله حزب كبير، والكلمة الحسم الآن لقادة الخطاب السياسي، إما أن يختاروا الحل الأسهل ويخلقوا بونداً جديداً، وإما أن يبحثوا في ممكنات الواقع أكثر، ويتمترسوا عند مواقف مبدئية لا تراجع عنها يحمل الواقع إمكانيات تحقيقها.

الإدانة اليوم تتوجه إلى قادة الخطاب السياسي وليس إلى الناس والشعوب الثائرة، على هذا الخطاب أن يقتنص فرصة تاريخية غير حالمة في توحيد صفوف الفقراء، من المخيم والقرية على حد سواء، جميعهم معاً ضد من خصخص ثروات البلاد وإنتفع من قانون الإستثمار الجديد وحقية التصحيح الإقتصادي والتكيف الهيكلي وإنهيار الدولة و من مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة المتروكة إدارتها بالكامل للمنظمات الأمريكية بالدرجة الأولى.

ألم يكن من الأسهل للينين "الحالم" أن يضمن خطاباً خاصاً باليهود في أدبيات الحزب قبل الثورة؟ ذلك بالضبط ما رفضه حينئذ وأعلن عن أهمية تخلي اليهودي عن يهوديته في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة.

في الأردن، النجاح برسم الخطاب السياسي الأوضح والأقدر والأكثر قدرة على إعطاء النتائج الحقيقية، وهذا الخطاب لا بد له أن يخرج من أوهام الحلول الأسرع والعواقب الأوخم ومن إصطلاحات "يهود الداخل" و "أصحاب الحقوق المنقوصة" على حد سواء.

قد تكون اللغة والقومية والثقافة عناصر إنتماء، ولكنها لا توضع أبداً في معارضة العمل على تحقيق السعادة البشرية للمجموع...


الخميس، 26 يناير 2012

الأردن، هل من طريق ثالث مبكر؟

مر الآن عام كامل على إنطلاقة الحراك الشعبي في الأردن، والذي مر بدوره بمراحل هبوط وصعود، صعود لم تصل نقاطه القصوى إلى حد الطفرة بعد أو بمعنى آخر إلى التغيير الكيفي الناشئ عن تراكمات كمية. والآن بات من الضروري مراجعة هذه المرحلة التي تعد حالة إستثنائية في الأردن في حقبة ما بعد الأحكام العرفية وإعلان "الديمقراطية".

تمثلت "المعارضة" في الأردن خلال العام المنصرم بمجموعة من التيارات المختلفة، من معارضة الإخوان إلىى معارضة التيارات اليسارية والقومية إلى التيارات الإصلاحية الليبرالية وإلى حراك المحافظات كذلك، وإختلف وزن كل تيار عن الآخر وحضوره ومدى تأثيره وهدفه ومجموعة الفئات المعبرة عنه.

إحدى أكثر الخطابات المعارضة رواجاً –نسبياً- والتي لا بد من الوقوف عندها كجزء من هذه المراجعة: خطاب الحركة الإسلامية وخطاب معارضة المحافظات.

خطاب الحركة الإسلامية

يعتمد الخط السياسي العام للحركة على التفاوض بدرجة أولى وأساسية، ومن هنا كانت تصريحات الحركة في لقاءها مع رئيس الوزراء تدور في فلك تحديد سقف الإحتجاج بإصلاح النظام ومحاسبة الفاسدين فقط، وتغليف هذا الإحتجاج بالطابع السلمي وبشكل كامل. يستخدم الإسلاميون مجموعة من الأوراق لتحسين شروطهم التفاوضية مع النظام، وما يجري على الأرض ليس بذي صلة بالظاهرة نفسها، فخروج الإسلاميين في جمعة "طفح الكيل" كان ظاهرة صورية تختلف تماماً عما جرى في الجمعة التالية لها، من إستعراض القوة أمام الجامع الحسيني إلى التمثيل السياسي الخطابي البسيط في ساحة النخيل، هذا المسار يعبر تماماً عن نهج الإسلاميين في التعاطي مع النظام، وتغيير لون الأوراق التفاوضية لتحصيل أكبر عدد ممكن من المكتسبات للحركة، وتتداخل هذه الأوراق وتتقاطع مع قناة التنسيق المفتوحة مع واشنطن الني قد تحتمل صيغاً أكثر فائدة للحركة، وبإنتظار نتائج ما يجري في سوريا كذلك.

من هنا، نحن أمام تيار مفاوض ومتربص و يمتلك أفيوناً رخيص الثمن، غير معني بتفكيك البنية الإقتصادية لصالح الطبقة الفقيرة، وإنما يشكل إمتداداً للنهج الإقتصادي الرأسمالي ولكن بحماية ذهنية مرتبطة بالنص الديني. وهذا التيار مستند بالكامل على إنهاء "جولات الصراع" من خلال صفقة، ولهذه الصفقة شروط موضوعية وذاتية تعيها الحركة جيداَ، ومنها الإستمرار في النزول إلى الشارع، ولكن على إيقاع يتناغم مع مدى تقدم أو تراجع المفاوضات ، مع النظام نفسه ومع واشنطن في ذات الوقت، فواشنطن لا تمانع بقدوم الإسلاميين طالما أنهم ملتزمون بخدمة الإستثمار الخارجي ولعب ذات الدور الإقتصادي والسياسي والإبقاء على صفاء العلاقة مع الكيان الصهيوني، والإسلاميون لا يمانعون أن يأتوا بمباركة ومساعدة أمريكية طالما أنهم لا يرغبون أساساً في تغيير المفاصل الأساسية للمجتمع: الإقتصاد والسياسة.

خطاب معارضة المحافظات

يجري الحديث عن تهميش لأبناء المحافظات مع غياب القطاع العام، وإنعدام التأسيس لخدمات إجتماعية عامة فيها. لا بد هنا من الوقوف عند الملاحظات التالية:

·       إذا أردنا إختصار "التهميش" في فقدان الوظائف بسبب غياب القطاع العام، فإننا نلاحظ أن شواغر تركة القطاع العام والجيش إلى الآن هي من نصيب أبناء المحافظات، عندها يصبح أبناء العاصمة هم المهمشون وليس العكس! ولكن حتى هذه الصيغة غير قابلة للحياة في إطار مشروع عابر للتقسيمات الفرعية.

 والسبب في هذا الإفقار الجماعي وليس "التهميش لفئة محددة"، هو لبرلة السوق والسياسة على حد سواء، وقادة هذا المشروع هم من فئات متعددة تنتمي إلى عرق واحد وهو "الطبقة" و "الربح"!! وهذه الطبقة إرتأت أن الطريق الأسلم لزيادة أرباحها هو فتح مكاتب الإستثمار الأجنبي والمستشفيات والمدارس الخاصة وشركات التأمين، إلخ.... في العاصمة والإستفادة من نسب أرباح المصانع في المناطق الصناعية المختلفة وتجاهل أي شيء آخر (التأسيس لخدمات إجتماعية في المحافظات على سبيل المثال).

·       المسألة ليست في غياب الشواغر والخدمات، بل تكمن في غياب الدولة كجهاز إقتصادي إجتماعي ناظم لحياة الناس، وعلى كل حال فإن الخدمات المتوافرة في العاصمة على الصعيدين الصحي والتعليمي على سبيل المثال هي بالأغلب خدمات خاصة "يقودها القطاع الخاص" كما أوردنا أعلاه، وهذه لا تشكل أي ضمانة إجتماعية، ولا تقدم تفضيلاً للسكان القريبين منها جغرافياً على حساب غيرهم.

 في ظل هذه الظروف يتسلل خطاب سياسي ليحمل حراك المحافظات في المسار التالي:

·       أن أبناء المحافظات "المهمشين دون غيرهم" تم إقصاؤهم، بسبب غياب القطاع العام، والسبب في هذا الغياب هو توسع القطاع الخاص، والسبب في هذا التوسع هو فئة كمبرادورية فلسطينية حصراً ( وليس قراراً سياسياً إتخذته الطبقة آنفة الذكر). ومن هنا يبدأ التحشيد ضد أسماء محددة ومن أصول محددة دون غيرها بوصفها المسبب الأساسي لكوارث الأردن الإقتصادية، ويتم حرف مسار الصراع بذلك من حرب ضد المنظومة بأكملها إلى حرب على الأشخاص.

·       أن الوجود الديمغرافي الفلسطيني يشكل تهديداً للهوية الوطنية الأردنية، ومن هنا وجبت دسترة أو قوننة فك الإرتباط ( والسؤال هنا: ماذا لو لم تكن الضفة الغربية عام 1967 جزءاً تابعاً على المستوى الإداري للأردن، عندها ماذا سيكون الحديث عن الهوية الوطنية الأردنية ؟)

·       أن التمثيل السياسي لا بد أن يتم على أرضية تغليب نسب المحافظات من خلال القانون ومن خلال تعريف الأردني مجدداً "من يحق له الإنتخاب".

وفي هذا السياق، يحاول هذا الشكل من الخطاب السياسي "الواقعي والمتمكن من التفاصيل"، أن يجعل من العداءين حزمة واحدة، عداء للفلسطينيين في الأردن، وعداء للنظام!

يحاول العاملون على هذا الخطاب ترويجه من خلال "واقعيته"، ولكن ماذا لو غاب هؤلاء "المنظرون" عن مجمل هذا الخطاب؟ ألن يسير الواقع في ذات الصيرورة أو لربما في صورة أفضل؟ إذن ما هو دورهم في تغيير الواقع وحرف مسار الصيرورة التاريخية ذاتها؟ وهل تعني الحلول الواقعية فهم الواقع دون تغييره؟ والإكتفاء بالنظر إلى التناقضات الثانوية وهي تحل تلقائيا وذاتيا بغض النظر عن النتائج؟ من إذن سيقدم الحلول "الصعبة" لتصبح واقعاَ في نهاية المطاف؟ وهل كان من الصعب "التنظير" لعداء الإخوان بتوصيفهم التيار السياسي للكتلة الفلسطينية، و"التنظير" لعداء حراك المحافظات بتوصيفه عصبوياً؟  
إن إستفزاز التناقضات الثانوية أمر سهل، لا يحتاج إلى مثقف ولا بوصلة سياسية متمكنة، الواقع وبدون مبالغة قادر على حمل خطاب جامع وعلى النقيض من ذلك تماماً، يوحد صفوف الطبقة الفقيرة، ويخرج بعضاً من أبناء المحافظات من أوهام الخطر الفلسطيني، و بعضاً من أبناء "الطرف الآخر!!" من أوهام خطاب الحقوق المنقوصة.

في الأردن، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية، طريق ثالث بات لازماً،  يحدد هدفه الإستراتيجي بالإستناد إلى التناقضات الأساسية "الفقراء أمام المحتكرين للثروة، هكذا فقط"، ولا يضع الخاص في مواجهة العام إنطلاقاً من "فن قراءة الممكن"، تلك هي المهمة الحقيقية الراهنة للمثقفين والسياسيين العرب.

في الأردن يتقدم خطاب إخواني غير راغب وغير هادف البتة إلى تغيير النمط الإقتصادي القائم، والذي يشكل العقدة الأساسية لمجمل المصائب الإجتماعية، وبالتوازي يتقدم خظاب سياسي عصبوي، يدعو إلى إعادة إنتاج "الفساد" وتدويره وحصره لصالح فئة دون غيرها.

قد يقول قائل: ما هو الطريق الثالث إذن؟ هل هو ثالث ضمن نطاق المعارضة ذاتها؟ أم ثالث مع الأخذ بعين الإعتبار طريق النظام الحالي؟ إن معارضة الأخوان، ومعارضة "فك الإرتباط"، ومعارضة "المواطنة والحقوق المنقوصة"، والمعارضة الليبرالية المخملية الناعمة، جميعها معارضات مشوهة، لذلك فهي تعبر عن طريق واحد وهو المعارضة غير المنجزة، لذلك نحن بحاجة طريق ثالث بعيداً عنها وبعيداً عن النظام.

المطلوب اليوم هو شق طريق ثالث يمتلك تصوراً واضحاُ عن توزيع جديد لموارد الثروة، يطرح أنماطاً جديدة لإستغلالها، يبني مجموعة من التحالفات السياسية والإقتصادية الجريئة التي تنهي علاقات التبعية للمركز المصنع، ويزج بنفسه مباشرة في معركة سياسية تناحرية مع العدو الصهيوني وأمريكا،  وينهض بالنمط الإجتماعي العلماني بالدرجة الأولى القادر على تجاوز كل أشكال العصبوية من الدين إلى العشيرة إلى الإقليم ..... هذا هو الطريق الثالث الذي ما زال غائباً على الرغم من ممكنات الواقع في حمله!

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

الحرب الثقافية الباردة: البارحة وكذلك اليوم

بعد معركة بيرل هاربر بدأت أمريكا تبحث عن خيار يحمي مصالحها، ويدرس الأخطار قبل وقوعها "Risk_management"، وعلى كل حال، كم هو شبيه منطق عمل الشركات العالمية الكبرى بذلك النشاط السياسي، نعم إنها إدارة المخاطر "Risk_Management" التي يسمع بها عاملو القطاع الخاص ربما في كل مكان: الشركات التكنولوجية، البنوك، مؤسسات التمويل، شركات العمارة،...إلخ.
بعد هذه المعركة، إستدعت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من أبناء الطبقة "الأرستقراطية"، لتلعب دوراً جديداً، يختلف في مضمونه عن عمل الجستابو الألماني واللجان السرية الأمريكية في زمن الحرب العالمية الثانية. هذه المرة الهدف هو الهجوم على ثقافة الشعوب ومحاولة تسيير الوعي الجمعي ليقبل الرأسمالية ويرفض الشيوعية، ومن ذلك ما يلي:
·       أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1948 برنامج النقطة الرابعة، وأهدافه المعلنة كالتالي:
§       التأييد المطلق للأمم المتحدة.
§       كسب الشعوب بالعمل على الإصلاح الإقتصادي.
§       تقوية الأمم التي تعادي الكتلة الشبوعية.
§       تقديم المعونات لتحسين أحوال مختلف بلدان العالم.
وكان هذا الإقتراح يصب في خانة " يد تقدم الخبز ويد تقدم ثقافة دولة الخبز"
· في الوقت الذي إفتتح فيه السوفييت بيتاً للثقافة في برلين سارعت أمريكا لعمل عروض سينمائية وموسيقية حتى من فرق زنجية لدحض فكرة التمييز ضد الزنوج في أمريكا.
·في عام 1947قرر الكومينفورم السوفيتي من باب محاولة التأثير في الرأي العام الأمريكي عمل فعالية ثقافية في نيويورك، وكانت ردة الفعل الأمريكية هي الزج بشيوعيين "تائبين" وملاحقة الوجوه المشهورة مثل شارلي شابلن و مارلون براندو. وعلى كل حال، في الثورة الفرنسية كان المشتبه بهم يساقوا إلى المقصلة، أما في أمريكا فإن كل من كان يشك في شيوعيته تتم محاصرته إلى الحد الذي يفكر معه في الإنتحار.الولايات المتحدة التي لم توقف تنظيرها أبداً فيما يتعلق بحقوق الأفراد، فإنها أكثر من مارس محاربة هذه الحقوق، ومن ذلك مطاردة مكتب التحقيقات الفيدرالية للروائي العالمي آرنست همنجوي، الذي أصيب بحالة إكتئاب ألزمته الذهاب إلى الطبيب النفسي والذي إتصل بدوره بمكتب التحقيقات الفيدرالية لإخبارهم بأمر مراجعة همنجوي!!
·منع عرض "يوليوس قيصر"  و"الجثة الحية" في نيويورك.
وحتى لا يكون هذا التوصيف خالياً من مقاربات الواقع، لنأخذ مؤسسة فورد على سبيل المثال، إذا قمت بزيارة موقع هذه المؤسسة ستجد زوايا عديدة لعمل هذه المؤسسة على الصعيدين السياسي والإجتماعي:
§       العمل على زيادة المشاركة في الإنتخابات.
§       العمل على إنتاج حكومات شفافة وفعالة.
§       دعم المجتمع المدني.
§       بناء الأمان الإقتصادي طيلة العمر.
§       تطوير عملية دخول الجامعات.
§       حرية التعبير.
§       دعم حقوق الإنسان.
§       دعم حقوق المرأة.
لنلقي نظرة بسيطة على معطيات هذه المؤسسة، لنقوم بعد ذلك لمقاربة الفلسفي والواقعي:
§ مؤسسة خاصة مقرها الرئيسي في نيويورك، تأسست على يد هنري وإدسل فورد عام 1936.
§ أصول هذه المؤسسة تبلغ 13.7 بليون دولار.
§إستثمرت هذه المؤسسة في الحرب العالمية الثانية على أن يأتي المردود لاحقاً وعلى شكل مشاريع طويلة الأمد.
§ كانت هذه المؤسسة من الجهات الحاضرة والمشاركة بقوة في مشروع مارشال.
§أدت لقاءاتبيسيل، رئيس مؤسسة فورد عام 1952، مع دولز، رئيس جهاز الإستخبارات الأمريكية، إلى أن يصبح الأول مستشاراً خاصاً للثاني عام 1954.
§دعمت فورد إصدار العديد من المجلات في أوروبا، وحسب بيسيل، لم يكن الهدف هو هزيمة اليساريين نظرياً فيما يتعلق بالجدل، بل كان جذب أكبر عدد ممكن منهم لتغيير مواقفهم.
§رئيس فورد عام1954عمل سابقاً سكرتيراً عاماً لشؤوون الحرب،ومستثمراً كبيراً في ألمانيا الغربية، ومحامياً لشركات النفط الكبرى في وول ستريت، وفي عهده تم تخصيص وحدة في المؤسسة للتواصل مع وكالة الإستخبارات.
هنا لا بد من الإنتباه للملاحظات التالية:
§مؤسسة فورد وتلك الشبيهة بها هي الغطاء الأنسب لوكالة الإستخبارات الأمريكية للتأثير على الشباب ونقابات العمال والجامعات ودور النشر وكل المؤسسات التي قد تلعب دوراً نهضوياً وعلمياً حقيقياً.
§لقد كانت فورد ومازالت في طليعة جيش الحرب الثقافية الباردة، ولا مكان لأنصاف المواقف مع مثل هذه المؤسسات، كأن يقال من الممكن محاربتها في المؤسسات المدنية ولكن ليس في الأهلية!
§لا يمكن النظر لفورد وسواها على أنها مؤسسات خاصة غير حكومية وتنتقد السياسة الأمريكية، فلذلك ليس من الخطأ التعامل معها!
هذه معركة إقتصادية وإجتماعية وثقافية مفتوحة بالكامل لمواجهة الإمبريالية بمختلف أدواتها...


السبت، 3 ديسمبر 2011

الغزو الثقافي لدول الأطراف

شهدت دول العالم الثالث ظاهرة المنظمات غير الحكومية الممولة من جهات أميركية وأوروبية "تحديداً في مجال حقوق
 الإنسان"، ويأتي هذا في سياق تجزئة الصراع الأساسي إلى صراعات عديدة، يعتبر كل منها مشكلة قائمة بذاتها يعمل على حلها مجموعة من الإختصاصيين، ولها مجموعة من المنظمات الخاصة بها، فتتشكل هيئات ضد الإستغلال الجنسي في العراق، وهيئات لإعادة الإعمار في العراق، وهيئات ضد تجاوزات مبادئ حقوق الإنسان في السجون وتطالب بسجون نظيفة حسنة المعاملة، وهيئات لإشراك المرأة بشكل أكبر في العمل، وهيئات تعمل على إشراك سكان المناطق الريفية والقروية بآخرين يأتون من أوروبا ومن أميركا بحجة العمل على "تطوير"سكان تلك المناطق، وهيئات للإشراف على "نزاهة"مختلف الإنتخابات، وهيئات خيرية لمساعدة الفقراء والإحسان إليهم، وهيئات تعلن الإلتزام بدمقرطة الوطن العربي،   وهيئات تتحدث في الجندر، وهيئات تعلم آليات بناء المشروع الخاص، وهيئات تبحث في نسب الجريمة والسرقة وتبحث في أسبابها "الأخلاقية".
أصبحت هذه المنظمات ممولاً أساسياً للعديد من المنظمات المحلية، وشمل ذلك العديد من الفئات السياسية التي كانت تتحرك بمنطق مختلف تماماً، حتى اليساريين الكلاسيكيين والمتطرفين، إنزلق العديد منهم في هذه التجارب، منهم من ركض خلف أشكال المنفعة الشخصية الخاصة بها، ومنهم من إقتنع بأوهام نجاح هذا المشروع، وحاول تبرير تبنيه على أنه خلاص الطبقة العاملة.
في كتاب "من يدفع للزمار، الحرب الثقافية الباردة" ل "فرانس ستونر سوندرز": "بدأت وكالة المخابرات المركزية منذ عام 1947 في بناء إتحاد له واجب مزدوج وهو تحصين العالم ضد الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح السياسة الخارجية الأميركية، وكان من ذلك أن تشكلت لجنة محكمة من البشر الذين يعملون بالتوازي مع الوكالة للترويج لفكرة مؤداها أن العالم في حاجة إلى "سلام أمريكي"، إلى عصر تنوير جديد وأن ذلك سوف يسمى "القرن الأمريكي".
نشرت صحيفة ترود الروسية وثيقة تحت عنوان "ظل بريجينيسكي"أن الولايات المتحدة وألمانيا ودولاً غربية أخرى زرعت في أوكرانيا 399 منظمة دولية و421 منظمة خيرية و179 منظمة غير حكومية لدعم فيكتور بوشينكو "قائد الثورة البرتقالية في أوكرانيا وحليف الغرب"، وتبين الوثيقة أتعاب هذه المنظمات أنها تتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار في الأسبوع الواحد.
كان الهدف من وراء ذلك هو العمل على إضعاف المجال الإقتصادي الحيوي بين روسيا وأوكرانيا، لأن الوحدة الإقتصادية بين هاتين الدولتين تهدد بالضرروة المشروع الرأسمالي بخطر ممكن وعودة نموذج الإتحاد السوفياتي.
ولقد عملت المنظمات غير الحكومية كذلك على ترويج مجموعة من المفاهيم والمصطلحات "المشاركة"، "التمكين"، "التنمية السياسية"، وكذلك "المجتمع المدني".
"ولد نموذج جديد أو عادت ولادته في العقود القريبة وهو المجتمع المدني، في السابق كان من يهمه المجتمع المدني يفترض أن يكون مؤرخاً مهتماً بلوك أو هيجل، ولكن المصطلح نفسه لم يكن له صدى معاش أو إثارة. بل كان يبدو مغطى بالتراب، أما الآن وفجأة إستخرج وأزيل عنه التراب وأصبح رمزاً براقاً" آرنست جيلنر.
"إن نجونت "NGO-IZATION" السياسة تهدد بتحويل المقاومة إلى عمل مهذب من الساعة 9 حتى الساعة 5 ومدفوع الأجر بالإضافة إلى مزايا أخرى، أما المقاومة الحقيقية فلها عواقب ملموسة كما أن ليس لها مرتباً"  أرانداتي روي.

هناك العديد من الملاحظات لا بد من الإنتباه إليها في عمل المنظمات غير الحكومية والمروجة لمفاهيم الليبيرالية الجديدة:
·       إن عمل هذه المنظمات وبمنهج تسليع النشاط السياسي يؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل المقاومة إلى عمل مفاوض ناعم غير ضاغط، وكأن الفقير والغني، الناهب والمستلب، طرفان يود كل منهما الآخر ويرغب في مساعدته!
·       إن هذه المنظمات تعمل على تجزئة المشاكل الناجمة عن النظام الرأسمالي أساساً، وتعطيها صيغ حل لا تتناسق مع أسباب المشكلة الأساسية.
·       إن كان المقصود بالمجتمع المدني هو حالة الطلاق بين الدولة والدين، فإننا شاهدنا جميعاً الحملة التي أطلقها جورج بوش، البرنامج المعتمد عيى الإيمان، فبات غزو العراق "رؤيا"، والحرب على أفغانستان "وحي".
·       إن كان المقصود بالمجتمع المدني هو الطلاق بين المجتمع والدولة، وإرتباطه بقطاع الأعمال قتلك مصيبة كبيرة جداً، فما تحتاجه شعوب الأطراف اليوم هو الدولة التي حرمت حقها في بناءها بموجب الفجوة التي نشأت علمياً وصناعياً بينها وبين دول الغرب.
·       إن وصفة المجتمع المدني هي وصفة المراكز للأطراف لغايات الإستلاب، يشير الهندي سانجاي كومار إلى أن أدنى المجموعات في نظام الطوابق في الهند حصلت على حقوق دستورية قبل إقرار "البرنامج الإيجابي" للزنوج في أميركا، وللآن حسب كومار من كل 3 سود في أميركا يقع واحد في قبضة النظام الجنائي. من ضمن ما نشرته صحيفة الواشنطن تايمز " أن المنظمات الفلسطينية ترفض المعونة الأمريكية عام 2004 وتمتنع عن التوقيع على تعهد بألا تستخدم الأموال لمساندة الإرهاب، وكما جاء على لسان بورتا بالمر من وكالة التنمية الدولية الأمريكية، فإن هذا ما يطبق عالمياً وليس على الفلسطينيين فقط". قبيل إنقضاض الناتو على يوغسلافيا عام  1999، عملت ال سي آي إيه على إنجاز وثيقة "الترويج للديمقراطية في يوغسلافيا"، بهدف إسقاط النظام هناك وإستبداله بنظام آخر عميل.
 

الخميس، 1 ديسمبر 2011

ندوة منتدى الفكر الإشتراكي: ثورة أكتوبر والثورات العربية

البند الأول: ما هي الثورة؟
الحركة العميقة الواسعة لجماهير الشعب والتي يتم أثناءها القضاء على تناقضات أساسية في المجتمع عن طريق إزاحة الطبقات القديمة عن السلطة وإنتقال هذه السلطة إلى الطبقات الجديدة. إنه إحلال لتشكيلة إقتصادية إجتماعية جديدة تنفي سابقتها، وتتبوأ موقعاً تتمكن من خلاله التأثير على العقل الجمعي بأدوات على الأغلب تكون جديدة.
بهذا يمكننا التمييز بين الثورة والتمرد أو الإنتفاضة أو الإنقلابات أو الإصلاحات، فتغيير المسميات الذي قد يكون ناجماً عن مؤامرات داخل الطبقات المستولية على السلطة، أو إنقسامات إجتماعية باحثة عن الإستيلاء على السلطة مع الحفاظ على نظام الحركة أو تفنيط للمسميات وفقاً للمصالح، لا تعبر أياً منها عن  تغيير ثوري ولا تغيير جذري للنظام.
وبالتالي فإن دعم هذا التحرك أو ذاك تعتمد أساساً على مدى إقتراب التحرك نفسه من مفهوم الثورة ذاتها، ولذلك لا تتوقف هذه المقاربة عند شكل التحرك "سلمي أو عنفي" ولا عند عدد الضحايا، وإنما على صيرورة هذا التحرك ليحل الجديد بديلاً عن القديم  في نهاية المطاف.
وهذا لا ينطبق فقط على ثورة عمالية تواجه الرأسمالية مثلاً، فمجيء البرجوازية بديلاً عن الإقطاع في أوروبا يعد ثورة، تشكيلة إجتماعية إقتصادية جديدة تحل بديلاً عن سابقتها، وتعتمد على مؤسسات جديدة في إدارة المجموع البشري فكما كانت الكنيسة هي الأداة الأساسية للإقطاع، كان البرلمان بالنسبة للبرجوازية، وبقدر ماتتمكن الطبقات الثائرة من تأسيس مؤسساتها الخاصة بقدر ما إقتربت أكثر من إستلام السلطة في الواقع، وهذه ما جرى عن تأسيس برلمان خاص في فرنسا للقضاء على الإقطاع على النقيض من التجربة البريطتنية في الصراع مع الحكم المطلق،  وتأسيس مجالس السوفياتات في روسيا.
إذن الثورة في التعريف العام هي إزاحة ونفي لتشكيلة إقتصادية إجتماعية تترأسها طبقة ما من خلال مجموعة من المؤسسات، ليحل بديلاً عنها تشكيلة إقتصادية إجتماعية أخرى تترأسها طبقة جديدة، وتمتلك القرار في إنشاء مؤسساتها الخاصة.

ثورة أكتوبر في سياق التعريف المطروح
فلنأخذ ثورة أكتوبر كمثال يوضع لمقاربة التعريف المذكور، ففي الجانب الإجتماعي أوردت العديد من المصادر عن نسب أمية عالية في المجتمع الروسي وخاصة بين الطاجيك والقرغيز والأوزبك، تراجعت هذه النسب إلى حدود كبيرة في ظل النظام الجديد. فكان ما ينفق من قبل وزارة التنوير الشعبي، التي سماها لينين وزارة التعتيم الشعبي، كان ينفق على العلم والثقافة نسبة بسيطة جداً مقارنة مع ما ينفق على السجون.
ولقد تطور هذا الجانب الإجتماعي على مدار العقود اللاحقة ليصبح حالاً واقعاً، ففي دراسات الهندي بيجو كومار "الإنسان الجديد في الإتحاد السوفياتي" الذي أمضى فترة طويلة في الإتحاد السوفياتي، تحدث عن دور الحضانة، على سبيل المثال، الطفل الروسي الذي ينادي "أعطني لعبتنا" والطفل الإنجليزي الذي ينادي "أعطني لعبتي"!
وفي الجانب الإقتصادي تمكنت ثورة أكتوبر من النهوض بروسيا صناعياً، كانت روسيا في العهد القيصري تعتبر من البلدان المتوسطة في هذا المجال إلا أنها تمكنت لاحقاً من إحتلال موقع متقدم جداً.
والأهم من التقدم الصناعي هو التغيير الحاصل في أنماط الإنتاج وعلاقاته، فقد كان الشعار الأساسي للثورة هو الإشتراكية، بينما كانت العناصر الأساسية للإقتصاد الروسي هي:
v   الإقتصاد الفلاحي الطبيعي
v   الإقتصاد البضاعي الصغير "الذي يضم الفلاحين البائعين للحبوب على سبيل المثال"
v   الرأسمالية الخاصة.
كان التوجه العام للينين هو التحالف بين العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة المترددة "مجموعة من الحرفيين والتجار الصغار والفلاحين الصغار"، للإستيلاء على السلطة السياسية ومن ثم القيام بالمهمات البرجوازية وعلى رأسها التصنيع.
لقد عبر لينين في أكتوبر عن إنتقال إقتصادي من الدولة الرأسمالية الخاصة إلى رأسمالية الدولة ومن ثم إلى الإشتراكية. وقد تعرض لينين إلى نقد داخلي حاد في هذا السياق "رأسمالية الدولة في مرحلة الإنتقال إلى الإشتراكية" وقد كان هذا المشروع يتحدث عن تشكيل مجالس لمختلف القطاعات الإقتصادية تتشكل أغلبيتها من العمال وتستفيد من خبرة البرجوازية الصغيرة والتجار الصغار في الجرد والتنظيم.
إذن عبرت ثورة أكتوبر عن شكل من أشكال الإنتقال للإقتصاد الروسي المتشكل من العناصر الثلاثة سابقة الذكر إلى رأسمالية الدولة كعتبة إنتقال إلى الإشتراكية لاحقاً.
وفي الجانب السياسي "وهو أداة تنفيذ الرؤى الإقتصادية والإجتماعية"  فقد كانت المهمة الأساسية هي إخضاع فوضى البرجوازية الصغيرة للرقابة والجرد من جانب الدولة السوفياتية من خلال مؤسسات تتشكل أغلبيتها من العمال. وتم التعبير عن رأسمالية الدولة أنها الرأسمالية التي سمحت بها السلطة البروليتارية في حدود معينة لخدمة التنظيم الإشتراكي الجديد، ومن الأمثلة على ذلك هو تأييد لينين لإتفاق نقابة عمال الجنود مع أصحاب العمل على إدارة المؤسسات الصناعية في هذا القطاع من خلال اللجنة الرئيسية واللجان المناطقية والتي يمثل العمال فيها جميعا نسبة الثلثين مقابل ثلث واحد لأصحاب العمل.
المهم هنا أن الناتج العياني لثورة أكتوبر هو الظهور بطبقة جديدة تسلمت السلطة السياسية التي ستصوغ بدورها الإقتصادي والإجتماعي على حد سواء، وقد قامت هذه الثورة بالأساس على تحالف العمال والفلاحين دون إنقسامات ثانوية أثرت على شكل الصراع الطبقي.
ما هي الثورة المضادة؟
هي محاولة إعادة البلاد إلى دولة ما قبل الثورة "دينيكين في روسيا إبان ثورة أكتوبر"، أو هي معارضة إستكمال مشروع الثورة "ضمن التعريف المطروح" "الدور الخليجي اليوم في البحرين ومصر" أو هي تمرير مشروع لإسقاط نظام تسقط معه قيم أساسية للعدالة الإجتماعية "شافيز والسلفادور الليندي ومانجستو هايلي"

ظروف الثورات العربية ومقاربة للنقاط المذكورة أعلاه
هل هناك تشكيلة إقتصادية إجتماعية قادمة، أو مؤسس لها على الأقل؟
مع غياب المنظومة الإشتراكية، بات هناك قطب واحد يتحكم في صياغة النظام الإقتصادي العالمي ولكنه كذلك تمكن من صياغة المنظومة الثقافية للشعوب (تجذير الملكية الخاصة في الوعي، التسليع،بناء مجتمع الإستعراض، المنافسة بين الأفراد والتريج لها على أنها الأساس في تطوير القدرات البشرية، الحرية الفردية السائقة إلى حرية الملكية الخاصة وحرية الإستغلال، "الديمقراطية")، في ظل هذه الظروف طغت مفاهيم الدولة المدنية والمطالبة بالحرية والديمقراطية على واجهة المشهد، وكان السبب في ذلك هو غياب أي قاموس آخر يحمل على سبيل المثال مبادئ العدالة الإجتماعية كأساس.
 فما هي الحرية ؟، وما هي الديمقراطية؟ وماهي الدولة المدنية؟ وهل يمكن الحديث عن الحرية دون الحديث عن الضرورة؟ وهل يمكن الحديث عن الديمقراطية دون الحديث عن حرية الإختيار؟
لقد تمكنت الرأسمالية بتفردها في إدارة النظامين الإقتصادي والإجتماعي من فرض مجموعة من المفاهيم المطاطة والرمادية، فيصبح الإقتصاد هو إختصار لمعاملات الأسهم والسندات والتضخم والناتج المحلي الإجمالي وسعر الصرف، أي يصبح في أحسن صوره إقتصاداً كينزياً، ويغيب عن العقل الجمعي وجود شكل آخر من الحياة يتمثل في نموذج، ولقد أسعفت الثورات الأمريكية الجنوبية في إستحضار هذا النموذج من جديد.
لقد تصدرت المطالبات الشعبية "للثورات العربية" المطالبة بالحرية والديمقراطية، فتلك هي المفردات التي كرسها القطب الواحد على مدار السنوات الماضية، والآن نحن أمام معركة مفتوحة من المفاهيم والوعي الجمعي، معركة تغيب عنها مصطلحات القاموس النقيض.
فالحرية بالمجرد هي القدرة على الفعل في الوقت المرغوب، فهل تطورت أدوات الإنتاج إلى الحد الذي يسمح بذلك، إن الحرية ما زالت تجادل إستحقاقات الضرورة، ولهذه الإستحقاقات شكلين إشتهر بهما التاريخ، إما الإستحقاق الرأسمالي، وإما الإستحقاق الإشتراكي، الذي تمثل بيروقراطياً في كثير من الأحيان، إما إستحقاق الإستغلال مقابل "الحرية"، وإما إستحقاق العدالة مقابلها.
لا يمكن الحديث عن الديمقراطية إذا كان رأس المال السياسي ما زال حاضراً كعامل أساسي في خيارات الناس. لا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون الحديث عن الحرية في الإختيار، الحرية المعزولة عن العرض والطلب وسياسة السوق.
وما هي الدولة المدنية هل هي مجتمع المبادلات الحرة كما قال آدم سميث، أم هي دولة توماس هوبز أم هي دولة جون لوك أم هي دولة هيجل ؟؟؟
لذلك، عند إنظلاق الثورات العربية كان لا بد من الإنتباه إلى التعريف سابق الذكر، هل نحن أمام تركيبة إقتصادية إجتماعية جديدة؟ هل نحن أمام تغيير جذري لأنماط ولعلاقات الإنتاج؟ أم نحن أمام إعادة إنتاج لصيغ النظام نفسه إن لم يكن أسوأ!!
إن الدول الأوروبية في أغلبها مرت في مرحلة تمكنت خلالها من بناء دولة التصنيع، روسيا وإنجلترا وألمانيا وفرنسا، لقد حرمت الدول العربية حقها في هذا التطور، وحرمت قسراً في محطات تاريخية كمرحلة محمد علي باشا وجمال عبد الناصر. الآن المهمة الكبيرة جداً للثورات العربية هي البدء في ذلك، بما يعرف بفك التبعية، وهذه التبعية هي تبعية إقتصادية وإجتماعية على السواء، وفك الإرتباط هذا، يعني إيقاف تدفق السلع والمنتجات من المراكز المصنعة إلى الأطراف المستهلكة، مما يعني أزمة في النظام الرأسمالي العالمي ككل. وهذا الإفتكاك أول أول ما يتطلب، يتطلب نظاماً سياسياً بديلاً بالكامل.
إن كان العمال والفلاحين هم الحامل الإجتماعي لثورة أكتوبر فمن حاملها في الثورات العربية؟
عما تعبر الإنتفاضات العربية اليوم، هل تعبر عن ثورة برجوازية بلا برجوازية وطنية؟ هل تعبر عن ثورة عمالية بلا إنتاج رأسمالي مركزي؟ هل تعبر عن ثورة عمالية مستعدة لحمل مهمات البرجوازية؟ أم هي إنتفاضات طائفية البعد؟
كثيراً ما يتم التنظير لمسألة ضياع الطبقة، وأنها لم تعد موجودة أساساً مع قيم "التسامح" التي تتبناها الرأسمالية. عملياً الطبقة ما زالت موجودة وبشكل واضح ولكن الفئات المضمنة تحتها إتسعت إلى حد كبير مع إنفجار ثورة الإتصالات والثورة التكنولوجية وتداخل السوق العالمي على المستوى الجغرافي، وإتساع الكمبرادور، وإنفجار الإقتصاد الخدماتي.
إن الفئات القادرة على حمل هذا المشروع هي الفئات المفقرة من المزارعين والعمال "وهنا لا بد من تعريف جديد للطبقة العاملة يتجاوز التصنيفات التاريخية التي ظهرت في سياق التجارب الخاصة" وأبناء الطبقة الوسطى المستلبين.
ولكن على الأرض، هل هذه هي الصيغة؟
مع غياب حقل المفاهيم المطلوب "المنادي أولاً بالعدالة الإجتماعية وتنحيته مقابل الإنتخابات والدولة المدنية، ومع غياب العمل السياسي المرتبط عضوياً بمصالح الطبقات المهمشة، وغياب العمل السياسي المستكشف أساساً لمكونات الطبقة، ومع التقسيمات الثانوية التي عززتها الأنظمة وال|إستعماؤ على حد سواء، تمثلت الطبقة إستعراضياً على شكل فئة في لحظات ما، وباتت توصف الثورات على أنها شيعية في البحرين، وغير علوية في سورية، وقبلية في اليمن، وما إلى ذلك. ومن هنا لعبت الأنظمة على تخيير الفئات المدللة بين الموت، والجوع الآمن برعايتها هي. "المرور على ثورة الزنوج وواقع القوميات في ثورة أكتوبر ومقارنتها في الثورات العربية".
في ظل هذه الظروف تشكلت الفئات المحتجة بناء على التشكيلات السياسية المتاحة، والتقسيمات الإجتماعية المتاحة كذلك.
وفي الجانب السياسي ومع غياب العمل المنظم الموصول مباشرة بأشكال الصراع الطبقي، تمكنت القوى الإسلامية من القفز إلى واجهة المشهد، وبتنسيق عالي الوتيرة إقليمياً وعالمياً ومع مراكز الإمبريالية العالمية مباشرة، كما يحدث في سوريا ومحاولات جادة في مصر كذلك ونتائج الإنتخابات في تونس.
في سياق الثورات العربية تصنفت النخب والجموع الشعبية إلى عدد من التيارات بات من الضروري الحديث عنها بوضوح، فالحاجة اليوم ماسة للفرز أكثر مما هي للوحدة، "الوحدة المثالية" بين صنوف المعارضة في سبيل تحقيق "الهدف الموحد"!
ينقسم الشارع والنخب إلى ثلاثة تيارات أساسية:
v   التيار المحافظ .
v   التيار العدمي .
v   التيار الراديكالي المتيقظ .
يتشكل تيار المحافظين من الإسلاميين والليبراليين والنظام القائم على حد سواء، فمعنى أن تكون محافظاً هو أن تكون راغباً في وعاملاً على الحفاظ على "النظام" الحالي"، ومعنى النظام الحالي هو مجموعة السياسات والقوانين التي يسير بها المجتمع سياسياً وإجتماعياً والأهم إقتصادياً، فالإسلاميون ينخرون صفوف المعارضة ويعملون على تصدرها للإستيلاء على النظام والإبقاء عليه، بمعنى آخر لإسقاط مسمياته وإستبدالها بمسمياتهم، فبر نامج الحركات الإسلامية معروف للجميع، يتصدره الجانب الإجتماعي المتعلق بنصوص الشريعة،  وفي الجانب الإقتصادي المعاش ، لا يتضمن برنامج هذه الحركات أي تغيير للواقع الحالي ولا يقدم حلول واقعية لمشاكل الفقر والبطالة والطرفية في الإنتاج، وبالتالي هي وجه آخر لذات النظام.
ويشكل الليبراليون مكوناً آخر لهذا الصنف، وهم مكونون بالأغلب من الفئات المستفيدة طبقياً من بقاء النظام، وبالتالي هي أميل للحفاظ على النظام شكلاً ومضموناً، والحفاظ حتى على المسميات الراهنة.
يتقاطع الإسلاميون والليبراليون في الرغبة في الحفاظ على النظام جوهرياً، وكلاهما يتبنى في عمله طريقة سليمة لخدمة مبدأً غير سليم.
التيار الثاني هو التيار العدمي، وهو التيار الذي يتوقف عند حدود "الشعب يريد إسقاط النظام" ولا يخوض أبداً في التفاصيل، ويتكون من مجموعة من المندفعين ،و يروج هذا التيار نفسه على أنه الأكثر راديكالية، ولكنه عملياً غارق في العدمية، ينظر إلى تدخل الناتو على أنه مسألة ثانوية، وينظر إلى سياسات الأنظمة على أنها التي جلبت التدخل الخارجي وليس أي شيء آخر "الطموحات التوسعية وتأبيد التبعية على سبيل المثال"، يتقاطع هذا التيار شكلياً مع كل التيارات التي تعمل على إسقاط النظام شكلاً أو مضموناً أو كلاهما ، وشكلياً هنا دلالة على هامشية دور هذا التيار، ومن هنا تأتي عدميته أساساً، فهو لا يحمل مشروعاً خاصاً به لأنه يخشى التفاصيل، ولأنه يخشى كذلك الحلول الصعبة، المرهقة ذهنياَ، وبالتالي يتبنى خيار المزاج العام ويعرض عن تغييره أو تصحيحه. يتبنى هذا التيار طريقة غير سليمة لخدمة نوايا طيبة وغير واضحة المعالم تماماً، وليس لديه أي تحفظات على بدائل السلطات القائمة من باب الإستعدادية لجولات صراع جديدة.
التيار الثالث والأهم والذي ربما لم يولد بعد بالشكل الكامل، هو التيار الراديكالي المتيقظ، الذي يبحث عن إسقاط النظام شكلاً ومضموناً إنطلاقاً من المحددات التالية:
v   الهدف الأساسي للرأسمالية العالمية هو تأبيد التبعية المالية والإنتاجية على حد سواء، ولا ينسحب ذلك بالمناسبة على التبعية الثقافية الإجتماعية بالكامل "عدا ثقافة الإستهلاك التي لا تتعارض أبداً مع توجه الحركات الإسلامية"، ولذلك نرى أن لا مانع لدى الإدارة الأمريكية أن تستلم السلطة  السياسية تيارات دينية ولكنها في ذات الوقت غير معيقة لشكل التبعية الأساسي "المالي والإنتاجي".
v   وبالتالي، ينطلق مفهوم إسقاط النظام من نقطة تغيير هذه الصيغة، من نقطة بناء نظام يعمل على "وقف التدفق"، تدفق المنتجات والسلع من المركز إلى الأطراف، يبني المنطقة العربية إنتاجياً من جهة أولى، ويفك ديونها المالية من جهة ثانية، ويساهم في تأزيم التجمعات الإمبريالية من جهة ثالثة. ، ضمن هذه الصيغة، الإسلاميون والليبراليون محافظون، والعدميون غير محددين وتائهين..
v   إن ما يحصل في الدول العربية من إنتفاضات شعبية، لهو فرصة للتيار الراديكالي المتيقظ أن يحول الإنتفاضات إلى ثورات، لأنه الوحيد القادر على حفر هذه الصيغة في إستراتيجياً وإجتراح التكتيكات المناسبة التي ستؤدي تراكماتها في نهاية المطاف إلى هذه الصيغة.
v   إن تسويف تطبيق الحلول النهائية والدفاع عنها وترويجها هو بمثابة الحرمان منها، الشعب اليوم بحاجة إلى إسقاط "النظام"....
من هم أنصار الثورة المضادة في الثورات العربية؟
عملياً من الصعب تسمية هؤلاء بأنصار ثورة مضادة، فهم مقاومون للثورة، ولا يوجد هناك ثورة مضادة أساساً. فالأنظمة تبذل حهدها من خلال اللعب المماطلة واللعب على المساخات الرمادية "قانون الإنتخاب، قانون الإجتماعات العامة، قانون محاربة الفساد، ...إلخ" والخليج يضخ الأموال لإستثناء أي خيارات مناقضة، والإسلاميون يستخدمون الوتر الديني والإقليمي أحياناً لتحويل هذه الإنتفاضات إلى مكاسب سياسية لا أكثر.
صيرورة الثورة و"التغيير الديمقراطي"
لا يختلف إثنان على ضرورة إسقاط الأنظمة العربية، ولكن كيف؟ وهذا ليس سؤالاً ثانوياً، بمعنى أنه ليس عاملاً هامشياً في معادلة الإسقاط. لا تعني الرغبة في إسقاط النظام أبداً تجاوز تدخلات الناتو، ولا رغبة الجماعات الإسلامية على إعادة إنتاج النظام بصيغ أسوأ.
يدعي البعض أن التغيير الديمقراطي، وإن جاء بالإسلاميين سيكون جيداً، لأن صيرورة هذا التغيير ستقود لاحقاً، إلى تغيير الإسلاميين أنفسهم، ولكن هل هذا صحيح؟ هل مجيء الإسلاميين لا يؤثر على قيم الديمقراطية التي قد تحيدهم أنفسهم لاحقاً.
ماذا نفعل إذن؟ هل نقف "ضد" الشعوب؟
الدول العربية جميعاً بحاجة إلى بلورة خيار ثالث، ليس النظام الحالي وليس الإسلاميين، ويعمل هذا النظام على محددأساسي:
كسر التبعية الإقتصادية وبناء إقتصاد إنتاجي يمتلك صيغ تحالفات جديدة مع المحور المعادي لأمريكا والرأسمالية العالمية.
إن المطالبين بالعدالة الإجتماعية هم العاجزين عن إنتهاكها، لا بد اليوم في دول الأطراف والدول العربية جزء منها، تقديم المعركة في سبيل العدالة الإجتماعية والتصنيع على حساب المعركة في سبيل الديمقراطية البرجوازية. كيف؟؟؟؟ يبقى هذا السؤال الإستراتيجي والتكتيكي الكبير هوالأهم....